تمرّ على الإنسان أحيانا مواقف بسيطة وعادية جدا، قد تحدث له يوميا، أو تتكرر تكرارا يدخلها في دائرة المألوف المعتاد، وهذه كثيرا ما يتعامل معها الإنسان تعاملا آليا، بحيث لا يمنحها من نفسه أو وقته الكثير، فلا يتأملها ولا يفكر فيها.

وقد يكون ذلك من طبيعة الحياة التي حبانا الله بها؛ إذ ليس من المعقول أن يشغل الإنسان نفسه بالتفكير في كل صغيرة وكبيرة في حياته، وإلا غدت أيامه لا تطاق، وغرق هو في بحر لا قرار له من الأفكار التي لا طائل من ورائها. ولكن يحدث أحيانا أن يلتفت المرء إلى أمر صغير التفاتة مختلفة، فيفتح له ذلك بابا واسعا للتفكير والتدبر والتأمل. وتصبح للأشياء الصغيرة آنذاك قيمة كبيرة تكتسبها من الباب الذي فتح في لحظة من لحظات التأمل النادرة.

وقد حدث لي قبل أيام مثل ذلك، فقد هاتفتني فتاة، كانت يوما من طالباتي في الجامعة، وهي عادة ما تتصل بي بين فترة وأخرى، لتسألني أمرا أو تستشيرني في موضوع، وتشعب الحديث بنا، وكانت تحدثني عن مشكلات تواجهها في العمل، وعن كثير من أشكال من سوء الفهم تتعرض لها من قبل رئيسها أو زملائها وزميلاتها.

واكتشفت أثناء حديثها أنها تتكلم عن نفسها بثقة كبيرة، وتصف قدراتها بما لا أعهده فيها، كانت تنطلق في الحديث من دون حرج أو تردد، ولا أدري كيف غبت عنها للحظات، وأنا أتساءل بيني وبين نفسي: كيف تستطيع أن تتحدث عن نفسها بهذه الطريقة؟ وبهذه الثقة؟ إنّ الإنسان- كما أظن- يخجل أن يتحدث عن نفسه حديثا مطوّلا يكيل لنفسه فيه المدح والثناء.

والحقيقة أني أعجبت بها، وبقدرتها على تقديم نفسها بكل هذا الاعتزاز والإعجاب الشديد، على الرغم من أنّي لا أرى أنّ ما تقوله يعكس واقع الحال، كما أعتقد من وجهة نظري التي قد تكون قاصرة في النهاية، فقلت: إنه ظنها بنفسها، وهو ظنّ حسن جدا. وبعد أن أنهت المكالمة أخذت أتساءل بيني وبين نفسي:

أيهما أفضل: أن يحجم الإنسان عن مدح نفسه أمام الآخرين، وإن كان ما يقوله حقا وصدقا، متمسكا بالتواضع والخجل أحيانا، أم أن ينطلق بلا حرج فيصف نفسه بما يظنه فيها من صفات، ويعدد ما يمتلكه من قدرات ومواهب؟ إنه في الأولى قد يظلم نفسه، وفي الثانية قد يعطيها فوق ما تستحق. وخطر لي في تلك اللحظة موقف سيدنا يوسف عليه السلام حين قال مخاطبا عزيز مصر: «اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم». فقد أثنى على نفسه، ووصفها بالأمانة والكفاءة، وكنت قد قرأت في تفسير الآية يوما أنه يجوز للإنسان أن يثني على نفسه بالحق إذا جُهِل أمره.

ومع ذلك فإنّ معظم الناس في هذا الشأن يتطرفون كثيرا، فتجد بعضهم لا يسكت عن ذكر سجاياه وخصاله في كل محفل وفي كل مناسبة، وقد يلجأ أحيانا إلى تصنع التواضع فيسوق الحديث في إطار حكاية أو موقف يتخذه مدخلا للحديث عن نفسه.

وتجد آخرين يشعرون بالتأثم إن فكروا أن يتحدثوا عن أنفسهم، فيلوذون بالصمت، ويؤثرون أن يبقوا في الظل، على الرغم من أنهم قد يكونون من الموهوبين البارعين الذين أغدق الله عليهم نعمه في قدراتهم وذكائهم وفطنتهم. فكلا الفريقين ظالم لنفسه، وكلا الفريقين يحتاج أن يصحح رؤيته وموقفه.

إنه من المهم جدا أن يتبنى الإنسان قناعات إيجابية عن نفسه وعن الآخرين، لأنها تدعمه في مسيرته الطويلة في دروب الحياة، وتلوّن أفق حياته بأطياف الخير والجمال، ومن الضروري ألا يجعل الفشل قيدا يكبّله، ولا الإخفاق مدخلا إلى اليأس وفقد الثقة بالنفس، فمن لا يغامر في الفشل لا يحرز طعم النجاح، كما يقولون.

فالفشل والنجاح خبرات يكتسبها الإنسان، وهي ثروة حقيقية ثمينة، ودروس لا يمكن أن يتلقاها في أي مدرسة، إلا مدرسة الحياة الكبيرة الممتدّة، ولكنّ المهم أن ينظر الإنسان كيف يستفيد من خبراته هذه، فهل يضعها مكانها الذي تستحق بحيث تنير بصيرته، وتكشف له حقيقة نفسه، فلا يضرب الصفح عنها إن هي عكست له ما لا يحب، ولا ينظر إليها على أنها المصدر الوحيد للمعرفة والحكمة إن هي جاءت كما يتمنى ويشتهي.

فالحقيقة أننا نغفل أحيانا عن مثل هذه الدروس، ولا ننظر إلى الأشياء إلا كما تصورها عقولنا، وترسمها لنا قناعاتنا. وأذكر في هذا السياق قصة عن رجلين كانا يسيران في طريق مليء بالورد، فقال أحدهما يحدّث نفسه: يا الله، حتى الورد شوهّه الله بالشوك! وقال الآخر يحدث نفسه أيضا: يا الله، حتى الشوك جمّله الله بالورد! والحقيقة أنّ الورد والشوك، كلاهما موجود، وعلينا أنْ ننظر إليهما معا، إذا أردنا أن نتمتع بالحكمة والبصيرة الصادقة الصافية.

ولعل في هذه الحكاية التي قرأتها للكاتب باولو كويلو في كتابه الصغير الجميل حقا «مكتوب» ما يعبّر عن هذه الفكرة ببساطة وعمق في آن معا. يقول كويلو: قال المعلم: «عندما نشعر أنّ ساعة التغيير قد حانت، نستعرض لا شعوريا شريط كل الإخفاقات التي تعرضنا لها حتى ذلك الوقت.

وبالطبع، فكلما كبرنا كانت حصتنا من الإخفاقات هي الراجحة، لكنّ الخبرة في الوقت نفسه، تعطينا الوسائل لتجاوز هذه الإخفاقات وللعثور على الطريق الذي يسمح لنا بالمضي إلى أبعد. نحتاج إلى وضع هذا الشريط أيضا في مسجلة عقلنا. إذا لم نشاهد سوى الشريط الذي يعرض إخفاقاتنا بقينا مشلولين، وإذا لم نشاهد سوى شريط نجاحاتنا انتهى بنا الأمر إلى الظن بأننا أحكم مما نحن عليه في الواقع.... نحتاج إلى شريطين».

جامعة الإمارات