في مقال سابق في هذه الصفحة تكلمنا عن الإرهاب كظاهرة ومعضلة القرن الحادي والعشرين حيث أصبح لغة العصر ووسيلة للحصول على الاهتمام والاعتراف والاحترام والشرعية عن طريق الرعب والترهيب والتخويف من خلال ابتزاز واستغلال وسائل الإعلام المختلفة.

في هذه المقالة نحاول أن نستعرض أهمية والدور الاستراتيجي للإعلام لتحقيق أهداف الإرهابيين والسؤال الذي يستأثر الاهتمام هنا هو هل يستطيع الإرهاب أن يتواجد وأن يفرض نفسه في المجتمع ويحقق أهدافه بدون وسائل الإعلام وبدون علانية وشهرة وحضور إعلامي.

حسب المختصين والدارسين لظاهرة الإرهاب، فإن هدف الإرهابيين قبل أي شيء هو الحصول على منبر ووسيلة والحصول على اهتمام إعلامي للوصول إلى الرأي العام وإلى صانع القرار والحصول على التعاطف وعلى الوعي بقضايا ومطالب محددة.

حسب جون أوسوليفن لا إرهاب بدون وسائل الإعلام حيث يقول «إن لم تكن وسائل الإعلام متواجدة لتغطية الأعمال الإرهابية ولشرح أهميتها السياسية والاجتماعية، سيتوقف الإرهاب عن الوجود»، ومن جهته يرى ألبر باندورا أن الإرهابيين يحاولون ممارسة التأثير على أمم ومسؤولين كبار ورسميين من خلال نشر الرعب في أوساط الشعب والحصول على التعاطف مع القضايا الاجتماعية والسياسية التي يتبنوها.

بدون علانية واسعة الانتشار لا تستطيع الأعمال الإرهابية تحقيق هذين التأثيرين. ينفذ الإرهابيون الأعمال الإرهابية لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: الحصول على الاهتمام، الاعتراف ودرجة من الاحترام والشرعية.

وغالباً ما ترضخ وسائل الإعلام وتستجيب لتحقيق هذه الأهداف من خلال التغطية الإعلامية والاهتمام المبالغ فيه من قبل الصحافيين لتحقيق السبق الصحافي والتميز والانفراد في تقديم المعلومات والتحليلات والشروحات والتفسيرات المختلفة للأفعال الإرهابية من خلال الخبراء والمختصين والباحثين الذين عادة ما تستضيفهم القنوات الفضائية للتعليق على الأحداث والوقائع وللمشاركة في البرامج الحوارية.

يقوم الإرهابيون بالجرائم وأعمال القتل والتخريب وحجز الرهائن الأبرياء وخطف الطائرات للضغط على الحكومات للاستجابة لمطالبهم وأهدافهم، وحتى يصلوا إلى الرأي العام فإنهم يعتمدون على وسائل الإعلام التي تتسابق على نقل الوقائع والأحداث الإرهابية والتفنن في تضخيم هذه الوقائع.

وفي نهاية الأمر نلاحظ أن العملية كلها دعاية وتدويل لرسالة الإرهابيين الذين كانوا يعملون جاهدين على توصيلها للمسؤولين والساسة وأصحاب القرار والرأي العام محلياً ودولياً.

ونلاحظ هنا أن الإرهابيين يقومون باستغلال وسيلة استراتيجية تتمثل في وسائل الإعلام ويستعملونها كوسيلة للتواصل والتعبير عن مطالبهم وأهدافهم. والإشكالية الصعبة التي تواجهها وسائل الإعلام هي ما العمل؟ وما هو الموقف الذي يجب اتخاذه؟ هل يجب القيام بالتغطية وعرض المطالب والأهداف أم مقاطعة التغطية تماماً وتجاهل الأعمال الإرهابية، وإذا قامت الوسائل المحلية بالمقاطعة هل ستتبعها وسائل الإعلام الأجنبية؟

وإذا لم تقم وسائل الإعلام بالتغطية من يضمن عدم تسرب الأخبار وانتشار الإشاعة؟ وماذا عن حق الجمهور في الحصول على الأخبار والمعلومات مهما كانت طبيعتها والهدف من ورائها؟

أسئلة كثيرة تمس جوانب تنظيمية وأمنية وأخلاقية يجب أن تطرح بجدية وتدرس بتأنٍ لتجنب مشكلات قد تكون انعكاساتها وخيمة على المجتمع بكامله. الأمر معقد ويتطلب التنسيق مع أجهزة الأمن والحكومة لاتخاذ القرار السليم ومحاولة المساهمة في إقصاء وتهميش أطراف تستعمل طرقاً غير أخلاقية وغير قانونية لتحقيق أهدافها ومصالحها على حساب أمن وسلامة الأبرياء.

ومن أهم الانتقادات التي تُوجه لوسائل الإعلام في تعاملها مع الإرهاب أنها أصبحت طرفاً هاماً ووسيلة تُبتز وتُستغل من قبل الإرهابيين لتحقيق العلانية والشهرة والتغطية الإعلامية والحضور الإعلامي للنفوذ للرأي والوصول إليه وإلى صاحب القرار. وسائل الإعلام أصبحت تُستعمل في الأزمات والعمليات الإرهابية وأصبحت طرفاً يُستغل لخدمة مصالح وأهداف قد تتعارض تماماً مع الرسالة الشريفة للإعلام في المجتمع. فبقوتها وإمكانياتها الاتصالية الهائلة تعطي وسائل الإعلام فرصة ذهبية للإرهابيين للوصول إلى ملايين البشر محلياً ودولياً للتعبير عن ما يريدونه.

فالقنوات الفضائية وغيرها من القنوات التلفزيونية الأرضية والصحف والجرائد والمجلات تصُعد الأزمات وتضخمها وتزيد من بيئة الهلع والخوف التي تحدثها وهذا يخدم قضية الإرهابيين ويضع ضغوطاً كبيرة وقوية على الحكومات للتنازل والتفاوض من مركز ضعف، حيث انه بعد التدويل والإثارة والتضخيم يجد صاحب القرار نفسه ضعيفاً أمام تأثيرات الرأي العام على الصعيدين الداخلي والدولي.

كلية الاتصال، جامعة الشارقة