ربما تنتهي الحرب الأميركية في أفغانستان خلال بضعة شهور فقط. هكذا يتنبأ معظم المحللين في وسائل الإعلام الغربية. لكن الهزيمة الأميركية المتوقعة لن تكون بسبب الشراسة القتالية لقوات حركة طالبان فحسب، وإنما بسبب الانشقاق السياسي المتنامي الخطير بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين في الحلف الأطلسي «ناتو» تجاه الحرب.
المعارضة السياسية الأوروبية للحرب تقودها الآن ألمانيا. لقد حرصت الحكومة الألمانية على حصر مشاركتها في برنامج لتدريب عناصر أفغانية من ناحية وبرنامج آخر في مجال إعادة الاعمار متفادية بذلك أي اشتباك قتالي مع قوات طالبان وقد حذت حذوها دول أوروبية أخرى.
لقد اشتعلت الحرب كما نعلم بغزو شنته الولايات المتحدة في أواخر عام 2001 وعلى مدى سنوات ظلت القوات الأميركية تتحمل وحدها عبء القتال ضد قوات طالبان، ولكن مع الهزائم المتتالية التي منيت بها القوات الأميركية فان الولايات المتحدة باتت في أمس الحاجة إلى دعم الدول الأوروبية الحليفة لمواصلة الحرب، غير ان الدول الأوروبية فقدت حماستها تجاه الحرب.. وذلك لسببين: أولاً عدم اقتناع حكومات هذه الدول بجدوى الحرب من المنظور الاستراتيجي السياسي.. وثانيا لأنها أصبحت تواجه في الداخل معارضة شعبية متصاعدة ضد الحرب وبالتالي ضد المشاركة فيها.
وفي هذا السياق رفض بعض كبار الضباط الألمان والبريطانيين إصرار الولايات المتحدة على مواصلة القتال، ويتساءلون عن الهدف الأميركي من وراء الحرب، وانضم إلى هؤلاء سياسيون كبار على صعيدي الحكم والمعارضة في كل من ألمانيا وبريطانيا يطالبون بوقف الحرب وترك الأفغانيين لتقرير مصيرهم بأنفسهم، سياسياً أو عسكرياً، مما يتعارض مع الهدف الاستراتيجي الأميركي في فرض حكومة ضعيفة عميلة على شعبها ودعمها أميركياً وحمايتها بغض النظر عن الكلفة المادية والبشرية.
في هذا الصدد يعيد الكاتب الصحافي الأميركي وليام فان إلى أذهاننا أنه عندما أنشئ الحلف الأطلسي في أعقاب الحرب العالمية الثانية كانت هناك مصلحة سياسية مشتركة بين الولايات المتحدة وأوروبا الغربية وهي التضامن ضد الخطر الاستراتيجي الأعظم الذي كان يتمثل في الاتحاد السوفييتي.
الآن وبعد 18 عاماً من انهيار الاتحاد السوفييتي تتساءل حكومات دول الاتحاد الأوروبي عن معنى وجدوى توريط نفسها عسكرياً في بلد آسيوي فقير لا يشكل خطراً استراتيجياً على الأمن القومي الأوروبي. هنا نستطيع أن نرى صورة الانشقاق السياسي الذي أخذ يتنامى مؤخراً بين الولايات المتحدة والحلفاء الأوروبيين.
قادة أوروبا يتفكرون في أفغانستان بالمنطق الاستراتيجي البراغماتي المحدود فيتوصلون إلى قناعة نهائية بأن أوروبا ليس لديها مصالح حيوية مادية هناك.. وبالتالي لا ترى أي معنى للحرب، وعلى الصعيد الآخر فإن الولايات المتحدة تنظر في الأمر من منظور الحرب الايديولوجية الشاملة على «الإرهاب». ووفقا لهذا المنظور فإن أفغانستان في ظل سيطرة حركة طالبان هي أحد مسارح هذه الحرب.. تستوي في ذلك مع العراق.
هذا المنطق تجاوبت معه الدول الأوروبية بادئ الأمر في حمأة الهستيريا السياسية التي عمت الغرب عقب تفجيرات نيويورك وواشنطن في سبتمبر 2001، ولكن مع مرور السنين راحت السكرة وعادت الفكرة.