لم يسجل التاريخ الحديث منذ اكتشاف أميركا وإبادة الهنود الحمر أن شعبا تعرض للظلم والاضطهاد واغتصاب الحقوق وسرقة الأرض أكثر من الشعب الفلسطيني، وحتى مآسي الحروب التي شهدها القرن الماضي كانت طارئة الى حد ما وعادت الأمور الى طبيعتها بعد سنوات قليلة.
ستون عاماً والشعب الفلسطيني يتحمل ما لايطاق من القتل والحصار والتجويع ومصادرة الأرض وهدم البيوت والاقتحامات والاعتقالات وتدنيس المقدسات، والافتقار لأبسط حقوق الانسان، ورغم كل ذلك مازال هذا الشعب العظيم يرفض أن يستسلم وأن يوطن في غير أرضه وأن يفرط بحقوقه الوطنية المشروعة.
إسرائيل راهنت على عامل الزمن وإطالة الأزمة على أمل أن تتلاشى القضية الفلسطينية تدريجياً معتمدة في ذلك على التواطؤ الدولي وعلى الدعم الأميركي المطلق مالياً وعسكرياً وسياسياً ولكنها تفاجأ على الدوام بأن الأجيال الشابة الفلسطينية وحتى الأطفال يواصلون نضالهم ضد الاحتلال وأنه لم تحصل ثغرة في سلسلة الاندفاعة الوطنية بين الجيل الذي عاصر نكبة الـ 48 والجيل الحالي الذي يرفع علم الوطن الفلسطيني وشعار الحرية والهوية.
أمس كان قطاع غزة على موعد مع شكل آخر للانتماء الوطني ورفض الاحتلال البغيض، إذ نفذ الفلسطينيون رجالا ونساء وأطفالاً وشيوخاً سلسلة بشرية امتدت من رفح جنوباً الى بيت حانون شمالا ولمسافة 40 كيلومتراً وفق مراسلي الوكالات ومحطات التلفزة التي غطت الحدث، وذلك تعبيراً عن رفضهم للظلم والحصار وسياسة الأبارتيد، ولاطلاع العالم على حجم المأساة الانسانية التي وصل اليها الوضع في القطاع.
ومع أن هذا التحدي السلمي واجهته قوات الاحتلال، بقصف لخان يونس أسفر عن سقوط أربعة شهداء، وبهجوم ارهابي علـى متظاهري بيت حانون واعتقال 49 فلسطينياً.. إلا أنه سجل أمام العالم مجدداً أن ثمة قضية حية لشعب حي، وأن الحق لابد أن يعود لأصحابه مهما طال الزمن وعظمت التضحيات.
