بعد صعود المقاومة الفلسطينية، انتهجت إسرائيل العمليات العسكرية لتصفية بني المقاومة من الأردن إلى لبنان، عبر القصف الجوي والصاروخي، الذي لم يوفّر المدنيين، كما انتهجت عمليات الاغتيال ضد قادة المقاومة، حيث اغتالت وائل زعيتر في روما، ومحمود الهمشري في باريس وغسان كنفاني في بيروت (1972).

ثم اغتالت كمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار في بيروت (1973)، وماجد أبو شرار في روما (1981)، وأبو جهاد الوزير في تونس (1988 بقيادة باراك)، وفتحي الشقاقي (الأمين العام السابق لحركة الجهاد الإسلامي) في مالطة (1995)، وأبو علي مصطفى في رام الله (2001).

وأحمد ياسين (قائد حركة حماس) وعبد العزيز الرنتيسي في غزة (2004)، وعباس الموسوي (الأمين العام السابق لحزب الله وذلك في العام 1992). كما كانت حاولت اغتيال خالد مشعل في عمان (1998)، ود. أنيس صايغ وبسام أبو شريف في السبعينات في بيروت، بإرسال طرود متفجرة لهم.

ومعلوم أن إسرائيل انتهجت وبشكل مبرمج عمليات التصفية لقادة ونشطاء الانتفاضة، حيث نفذت حوالي 180 عملية اغتيال بالصواريخ والمتفجرات، ذهب ضحيتها حوالي ستمئة من الفلسطينيين، من بينهم أكثر من مئة قيادي في الفصائل الفلسطينية، ولاسيما من حركتي فتح وحماس والجهاد الإسلامي، ومن نشطاء كتائب الأقصى (فتح) وعز الدين القسام (حماس) وسرايا القدس (الجهاد).

على أية حال فإن عملية اغتيال مغنية كما قدمنا، ليست مجرد عملية اغتيال عادية، فهي يمكن أن تجر معها تداعيات غير عادية، وغير محسوبة، ويمكن في حال من ضبط النفس أن تقود إلى مواجهات موضعية، على طريقة ردة فعل على قياس الفعل، ولكن الأمر، في هذا وذاك، منوط بطبيعة الرد، من قبل حزب الله، مثلما هو منوط، بمدى قدرة إسرائيل على تحمل هذا الرد، أو تعمدها توظيفه للقيام بخطوة غير متوقعة، أو خطوة أبعد، لاسيما في هذه المناخات المحمومة في الصراع على الشرق الأوسط.

ومن تتبع التسريبات الإعلامية الإسرائيلية، يمكن ملاحظة انه ثمة فرح وحبور وإعجاب بما تم تحقيقه في اغتيال مغنية، لكن ثمة أيضا نوعا من الترقب لردة الفعل التالية، في المنطقة، وخصوصا من قبل حزب الله.

مثلا، هذا عمير ربابورت يعرض حال «التخوف من هجوم على سفارات أو أهداف إسرائيلية أخرى في أرجاء العالم، مثل الهجوم على السفارة الإسرائيلية في الأرجنتين في العام 92 بعد نحو شهر من تصفية الجيش الإسرائيلي لعباس موسوي الأمين العام لحزب الله سلف حسن نصر الله.

وبعد نحو اشهر نفذت عملية أخرى كثأر على ذات التصفية. هذه المرة كان الهدف هو مبنى الطائفة اليهودية في بوينس ايرس في الأرجنتين..التصفية في دمشق ترفع حدة التوتر على طول الحدود الشمالية تخوفاً من رد سوري على عملية أخرى في أراضيها تعزى لإسرائيل». (معاريف 14 /2).

وبالطبع فثمة داع لقلق إسرائيل لأن كل فعل أهوج لديها يولد جروحا عميقة، ومعها ردة فعل، في هذا الصراع الممتد والمعقد في هذا المنطقة. ومعنى ذلك الطريق الذي تنتهجه إسرائيل، أي طريق غطرسة القوة والبلطجة واستباحة أراضي العرب وحريتهم وكرامتهم، لن يوصلها إلى شيء، ربما غير سكب المزيد من الزيت على نار الصراع المتأججة في هذا المنطقة، التي ستحترق بها، بشكل أو بآخر، عاجلا أم آجلا، مهما كانت قوتها.

والأحرى لإسرائيل، إزاء ذلك، وقف التعويل على انتهاج سياسة الاغتيالات والقتل والتدمير، والتحول نحو إيجاد نوع من حل وسط تاريخي في المنطقة، يضع حدا لعهد طويل من الصراع والدمار وسفك الدماء المتبادل، وحسم أمرها لجهة تنفيذ الاستحقاقات المناطة بها في عملية التسوية مع الفلسطينيين، والاستجابة لمبادرة السلام التي أطلقتها القمة العربية من بيروت (2002) وجددتها القمة العربية في الرياض (2007)، للمشاركة في صنع سلام عادل وشامل ومتوازن في المنطقة.

كاتب فلسطيني