توحدت المدن الفلسطينية مع 90 مدينة عالمية هذا الأسبوع في القارات الخمس، لرفع صوت الضمير الإنساني العالمي لحكومات وشعوب العالم، في مظاهرات ومسيرات وإضرابات واعتصامات وندوات شعبية، في اليوم العالمي ضد الحصار الصهيوأميركي اللاإنساني على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة..

وقلنا بالأمس وقبل الأمس ونكرر اليوم وسنكرر غدا، إن هذا الحصار وهذا العقاب الجماعي بحرب التجويع للشعوب، جريمة لا إنسانية دولية تعني القتل أو الشروع في القتل ضد الجماعات أو الشعوب..

وهي في ظروف الاحتلال والحرب، تصل إلى مستوى جرائم الحرب، وفقا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة ولقواعد القانون الدولي الإنساني، من يقترفها هو مجرم ضد الإنسانية، ومن يشارك فيها بالسماح لها بالتطبيق مذنب في حق الإنسانية، ومن يقبل بها أو يصمت عن استمرار الإدانة لها آثم في حق نفسه وفي حق الضمير الإنساني كله، ولو لم ينله أي نوع من العقاب.

والقانون الوطني أو الدولي الذي يتمسك به القسم الأضعف أو الأصغر من العالم، ما هو إلا تقنين بشري للتشريعات السماوية أو للقيم الإنسانية التي يتفق عليها غالبية البشر، لحماية الحقوق الإنسانية في الحرية والعدل والسلام، ولمكافحة الاحتلال والظلم والاستغلال، سواء على مستوى الدولة أو على مستوى العالم، ويعتبرون من يخرج عليها معاديا للبشرية أو فاقدا للصفات الإنسانية يستوجب المحاكمة أمام القضاء الدولي، وبعد الإدانة يستوجب العقاب، لا للانتقام بل لردع الإنسان عن ظلم أخيه الإنسان..

وقد أكدت مقدمة اتفاقيات جنيف للقانون الدولي الإنساني على واجبات كل دول العالم، لا الغربية فقط ولكن العربية أيضا، بعدم اللجوء إلى استخدام القوة أو التهديد باستخدام القوة ضد سيادة الدول أو استقلالها السياسي، طبقا لما أكد عليه ميثاق الأمم المتحدة..

واهتمت هذه الاتفاقيات الأربع بصفة خاصة بأحكام القانون الدولي الإنساني، التي تحمى المواطنين المدنيين ضحايا الحروب والنزاعات المسلحة أو الواقعين تحت الاحتلال، قاطعة بأنه لا يجوز بأي حال من الأحوال إعطاء تفاسير لهذه الأحكام بما يجيز أي عمل من أعمال العدوان، أو يضفي الشرعية تحت أي مسمى لأي استخدام للقوة بالمخالفة لميثاق الأمم المتحدة.

ولأن الحالة الراهنة في فلسطين كما في العراق كما في الصومال، ينطبق عليها ما يؤكده هذا الميثاق، كما ينطبق عليها القانون الإنساني الدولي الذي تمثله اتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكولها الإضافي، ويستوقفني فيها الاتفاقية الرابعة التي تجرم انتهاكات أي من أحكامها في ما يتعلق بحماية حقوق وسلامة وكرامة المواطنين المدنيين تحت الاحتلال الأجنبي، وهو ما ينطبق على جريمة العقاب الجماعي الإسرائيلية ضد المواطنين الفلسطينيين في غزة، المدنيين والمقاومين.

وإذ يؤكد البروتوكول المكمل لاتفاقيات جنيف الأربع على أن «يظل المدنيون والمقاتلون في كل الأحوال تحت حماية وسلطان مبادئ القانون الدولي كما استقر عليه العرف والمبادئ الإنسانية وما يمليه الضمير الإنساني العام»®. فمن المهم هنا الإشارة إلى مادة مشتركة في جميع هذه الاتفاقيات، إذ تنص على انطباق أحكامها على «المنازعات المسلحة التي تناضل بها الشعوب ضد التسلط الاستعماري، والاحتلال الأجنبي، وضد الأنظمة العنصرية، وذلك في ممارستها لمبدأ حق الشعوب في تقرير المصير طبقا لميثاق الأمم المتحدة».

وقد يدين الضمير الإنساني الشعبي الجرائم بالفطرة، ولكن من المفيد أن ندين ونكافح الجرم والظلم اللاإنساني، بالتسلح بثقافة حقوقية وقانونية تمكننا من حسن استخدام القانون الدولي كسلاح إضافي وفاعل، إذا أمكن الضغط الشعبي العالمي على الحكومات لتفعيله دون انتقائية أو ازدواج للمعايير..

ومن المهم أن نتذكر معا ما نصت عليه القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني المطبق في النزاعات المسلحة، في مادته الأولى من أنه «يحق للأشخاص غير المشاركين مباشرة في الأعمال العدائية أن تحترم أرواحهم وسلامتهم المعنوية والبدنية، وأن يتمتعوا بالحماية والمعاملة الإنسانية دون أي تمييز ظالم».

mamdoh77t@hotmail.com