سيخطئ من كان يظن بأن القرار التاريخي بإعلان استقلال إقليم كوسوفو سيمر مرور الكرام ولن يكون له أية تداعيات على المستويات الإقليمية والدولية. فردود الفعل السلبية ظهرت قبل هذا الحدث التاريخي بكثير، عندما أعلنت صربيا وروسيا بشكل استباقي عن رفضهما لأي شكل من أشكال الاستقلال أحادي الجانب، باعتبار أنه يتنافى حسب رأيهما مع القانون الدولي ولن يكون له أي مفعول مؤثر من وجهة النظر القانونية والسيادية.

مقابل ذلك تريّثت الدول الراغبة بتبني ردود فعل إيجابية حيال استقلال الإقليم لكي تتعامل مع الوضع وفق تطوراته الآنية على الأرض مباشرة، وهذا يعني بأنها كانت تنتظر على الأرجح لترى فيما إذا كانت هذه الخطوة الجريئة والمصيرية ستشعل مجددا فتيل التوتر الدموي في البلقان مثلما يتوقع كثير من المتشائمين، أم أن آثارها لن تتجاوز حدود الغضب الشعبي الذي لا بد أن يهدأ.

هذا التردد في تبني المواقف الإيجابية السريعة انعكس بشكل واضح في موقف الاتحاد الأوروبي الذي كان يأمل أبرز مسؤولوه بإطلاق نداء موحد يدعو لاحترام سيادة واستقلال ووحدة أراضي «جمهورية كوسوفو»، حيث فشل هؤلاء بإقناع جميع الدول الأعضاء بمنطق هذه الخطوة، في ظل غياب المعلومات الدقيقة حول نوعية التطور الذي ستنهجه الدولة الفتية.

وفيما إذا كانت قادرة على توجيهه بالفعل نحو الهدف النهائي المتجسد بتبنّي المعايير والمبادئ المتعارف عليها في دول الاتحاد الأوروبي. ويبدو بأن الاتحاد قرر منح كل دولة حق تبنّي الموقف الذي تراه مناسبا، انطلاقا من الأجندة السياسية التي تحكم علاقات هذه الدولة أو تلك على الصعيدين الإقليمي والدولي، وبالاعتماد طبعا على الأجندة الاقتصادية والمصلحية التي تربطها بالأطراف المعنية، لا سيما مع روسيا وصربيا.

وفي وقت يتسلّح فيه بعض المسؤولين بالقانون الدولي الذي يمنحهم حق الاعتراف بأية دولة تنشأ حديثا، يعتقد كثيرون بأن مواقف مثل هذه تنطوي بالأحرى على قدر معيّن من الانتماء الإيديولوجي الذي لا يتعامل مع ما يجري على أنه دعم لطموحات شعب يرغب بالاستقلال والتحرر، بل انطلاقا من حسابات جيو - سياسية ذاتية تهدف في المحصلة النهائية لتعزيز استقلال بلدهم وخياره الانتمائي، وبالتالي تكريس النهج السياسي والعسكري الانتقالي الذي انطلق منذ انتهاء الحرب الباردة ولا يزال متقدما حتى يومنا هذا.

هذا يعني بأن هذه الدول ترى في ما يجري بإقليم كوسوفو استكمالا لنضالها الذي ساهم بانهيار المنظومة الاشتراكية وتمدد «الغرب الديمقراطي» تدريجيا نحو الشرق، مع كل ما قد يعني ذلك من هزيمة للمبادئ التي تتبناها دول أخرى لا تزال تفخر بانتمائها القومي مثل روسيا تحديدا، والتي تُعتبر، حسب مفهومهم بالطبع، مركز الثقل في كل «الخطر» الماثل ويجب قهره حتى لو تم ذلك من خلال إضعاف وتفتيت الدول المناصرة لها.

ويبدو أن التفاوت في تقييم ما يجري في كوسوفو لن ينعكس فقط على مستوى القيادات في دول الاتحاد الأوروبي، بل بات يشكل مادة صعبة ومحرجة للنقاش السياسي الداخلي في كثير من الدول الأعضاء، باعتبار أن القوى السياسية المتنافسة منقسمة على نفسها في ما يتعلق بضرورة أم عدم ضرورة الاعتراف بالجمهورية الناشئة حديثا، وهو ما بدأ بشكل واضح في تشيكيا على سبيل المثال، الدولة الفتية أيضا التي نشأت من رحم فيدرالية طويلة ومعقدة كانت تجمعها مع جارتها السلوفاكية قبل أعوام قليلة.

فالقيادة التنفيذية في هذا البلد، وفي غيره أيضا، تشعر بواجب الاعتراف باستقلال كوسوفو انطلاقا من مجموعة من المعايير التي تؤمن بها وتحكم أداءها الدبلوماسي، وهي معايير يمكن أن أضعها في خانات مختلفة قد يكون منها ربما التعاطف الصادق مع طموحات الشعب الكوسوفي، أو التحالف المستميت مع أهداف السياسة الأميركية المفترض تحقيقها في المنطقة بأي ثمن، لكن قد يكون منها أيضا وبلا شك ما سبق وأشرت إليه حول الحسابات الجيوسياسية الذاتية.

مقابل ذلك نجد بالطبع قوى سياسية أخرى، ومنها في مناصب حساسة مثل رئاسة الجمهورية، رافضة بشكل قاطع لما يجري خوفا من أن تؤدي هذه التجربة لانطلاق ما يعرف بتأثير لعبة الدومينو، فتبدأ القوميات في أكثر من مكان بتصعيد نضالها من أجل الحصول على حقوقها والمطالبة تاليا باستقلالها عن أوطانها الحالية.

وفي ظل هذه التطورات المصيرية المترافقة مع ما شهدناه من حالات الغضب الشعبي في بلغراد وغيرها، تبدو تصريحات بعض القادة الأوروبيين مضحكة في دعوتها القيادة الصربية للالتزام بما تصفه بالطريق الأوروبي لإنجاز عملية التكامل، والاستمرار بالحوار الذي سيؤدي في نهاية المطاف لانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. فكيف يمكن لقيادة لم يمض على انتخابها بضعة أيام أن تقنع جماهيرها أن الطريق إلى الاتحاد الأوروبي لا يمر إلا عبر استقلال «قلب صربيا» عن الجسد الأم؟

وكيف يمكن لهذه القيادة التي انتخبت أصلا بشق النفس أن تقنع جماهيرها المؤمنة بأوروبا أن خيارها كان بالفعل الأسلم لمصلحة البلاد، في وقت بدا فيه استقلال كوسوفو وكأنه ترجمة فعلية وحقيقية للخطاب السياسي الذي كان يستخدمه الراديكاليون الصرب قبل أيام معدودة، والذي يقولون فيه ان عملية التكامل الأوروبي بشكلها الحالي لن تجلب سوى خرابا ودمارا كبيرين للأمة الصربية؟

لقد تناسى مطلقو هذه الدعوات أن الرئيس الصربي الجديد الموصوف بأنه موال لأوروبا قد فقد منذ اللحظة الأولى لإعلان استقلال كوسوفو كثيرا من مجالات المناورة التي كان يرغب بالاعتماد عليها لإحداث ثغرة كبيرة في الجمهور الراديكالي المشحون وجذبه بالتالي إلى المعسكر الأوروبي المعتدل.

وسيجد هذا الرئيس صعوبة كبيرة من اليوم فصاعدا لإقناع ذلك المعسكر، وربما ناخبيه أيضا، بأن مستقبل صربيا هو في غرب أوروبا لا في شرقها، في حين أن الأداء الروسي الذي انطلق منذ اللحظة الأولى لإعلان استقلال الإقليم بدا واضحا في تعاطفه مع الصرب وقضيتهم الحساسة.

وهنا تحديدا يكمن حجر الزاوية في كل ما قد يستجد على الساحة البلقانية ومحيطها، فالدور الروسي في كل ما قد يجري هو مهم وحساس، وأداؤه الدبلوماسي النشط جدا على الصعيد الدولي سينعكس بشكل إيجابي حتما على القوى المطالبة دائما بالشراكة الاستراتيجية مع روسيا «المخلصة».

لعلّني بدأت أؤمن بأن ما نشهده هو تبلور جديد لصراع دولي بدأت أبعاده الخطيرة تتضح شيئا فشيئا. وبانتظار الحركة التالية على رقعة الشطرنج، لنأمل بأن كل الأمور ستبقى ضمن الأطر السلمية المتعارف عليها.

كاتب لبناني