شاهدت كما شاهد الكثيرون غيري أحدث فيلم أنتجته هوليوود، وهو «حرب شارلي ويلسون» الفيلم كما كتب في مقدمته مقتبس عن قصة حقيقية، وقد تم تصويره في ولاية مراكش بالمغرب، لصعوبة تصويره في أماكنه الطبيعية، وهو يحكي عن أكبر وأشهر حرب خفية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، والتي دارت رحاها في أفغانستان بإدارة عضو فاسد في الكونغرس وهو «شارلي ويلسون»، وبتشجيع من سيدة أعمال في تكساس ومساعدة عميل مخابرات سابق، والكل كان له هدف من وراء هذه الحرب.

المجاهدون الافغان كان همهم طرد وإخراج الجيش السوفييتي من أفغانستان، وحاربوا وهم مؤمنون إيماناً راسخاً بأنهم يحاربون الكفر وأعداء الإسلام، لكنهم لم يتوقعوا أنهم قد يصبحون غير مرغوب في وجودهم بعد ذلك.

أما أميركا فوجدت فرصتها من خلال هذه الحرب، لضرب الاتحاد السوفييتي، والقضاء على النظام الشيوعي المنافس القوي والأوحد للنظام الرأسمالي.

كما ساعد «شارلي ويلسون» في الفيلم، أو بالأحرى أميركا في التخطيط لهذه الحرب حلفاءها في الدول الإسلامية التي حكوماتها تعمل بإمرتهم وتحت تصرفهم، ويتم تسليط الضوء على الدور الذي لعبه «محمد ضياء الحق» رئيس جمهورية باكستان السابق، كما يظهر الفيلم نفوذ رؤوس الأموال والرأسمالية الأميركية وكذلك طول يد المخابرات الأميركية في المنطقة.

ويؤكد الفيلم عبر حوارات في مجرى الأحداث على جهل السياسيين الأميركيين بحقيقة أوضاع المنطقة وتوجهات وميول شعوبها.

والفيلم في رأيي، عدا عن براعة الممثلين، وحبكة المخرج في توظيف عناصر تقنية وفنية متكاملة، فإنه نجح في تناول جوانب في تلك الفترة الحساسة بموضوعية، تلك الفترة التي سعت فيها الولايات المتحدة من أجل مصلحتها إلى التحالف مع بعض الحركات الجهادية، لأنها كانت في حاجة إليها، لكنها أصبحت بعد ذلك أكبر عدو لها وأصبح أي عمل إرهابي ينسب إليها.

وطبعاً جاءت نهاية الفيلم كما هو معروف بانتصار سياسي أميركي، وخروج السوفييت بهزيمة عسكرية. فبعد ذلك تفكك الاتحاد السوفييتي إلى دول لم يتبق منها إلا الاتحاد الروسي بنظام جديد بعد انهزام النظام الشيوعي.

أما النظام الرأسمالي رغم انتصاره، فلقد أصبحت الورطة الأميركية في افغانستان مستمرة، إلى ما لا نهاية.

أما روسيا فلقد تعلمت درساً في هذه الحرب، وما حصل أفاد القادة الجدد في بناء دولتهم على أسس ونظرية جديدة وغيروا أسلوب وإدارة حكمهم، وأصبح توجههم «احترس من عدوك إن لم تستطع محاربته»، فسياستهم الآن مع الحكومة الأفغانية مختلفة، فهم لا يعادونها إنما لا يسعون إلى صداقتها، بقدر مالا يعادون أميركا وحلفاءها الغربيين، لكنهم يعملون من جديد على بناء دولتهم وعلاقاتهم الاقتصادية والعسكرية.

وهذا ما نلاحظه من خلال تحركات رئيسهم بوتين وأفراد حكومته في الآونة الأخيرة، بعد أن استقر وضعهم وأعادوا ترتيب أوراقهم وأدركوا حجم إمكانياتهم، فأصبحوا يتعاملون مع الجميع خاصة مع أصدقائهم في الشرق الأوسط، بإعطاء الأولوية لمصالحهم ثم تأتي بعد ذلك مصالح الأصدقاء.

وتركوا لأميركا السيطرة بنظام العولمة وصرف الملايين في اقتصادها القومي على الحروب التي إلى الآن لم تعرف عواقبها، بدءاً بالتورط في أفغانستان مروراً إلى السعي لكسب انتصارات في العراق، لكنهم لم يقدروا تماماً خطورة الوضع واختلافه هناك.

فتورطوا أكثر فأكثر، والله أعلم إلى أي مدى سوف تصل حروبهم وبأية ورطة ستنتهي؟!

خلال أحداث الفيلم يدور حوار بين البطل وأحد الممثلين، يقول أحدهم للآخر: ما رأيك هل حققنا انتصاراً؟ فيرد عليه زميله بمثل صيني يقول بعد كل جزء من القصة: «لننتظر وسوف نرى»®. وهكذا.

فهل يا ترى دخول أفغانستان كان غلطة سوفييتية وأصبح ورطة أميركية؟ أميركا التي لم تتعلم من درس فيتنام، مع أنها نجحت في تحقيق أهدافها بتدمير الاتحاد السوفييتي ووقف أي تأثير شيوعي في المنطقة، لكن ورطتها الآن في أفغانستان لا انتصار فيها إلاّ بالخروج منها عاجلاً أو آجلاً، طوعاً أو كرهاً، ولو حصل ذلك سوف يكون ضربة قوية للمحافظين الجدد بقدر ما كان ضربة للاتحاد السوفييتي.

لكن الأهم والأعظم ما يحدث في العراق، لأن الغلطة والورطة صناعة أميركية 100%، وعلى كل فليس أمامنا إلا الأخذ بالمثل الصيني كما حصل في الفيلم «فلننتظر وسوف نرى»، فربما الأيام المقبلة تظهر الحقيقة للجميع.

وهل ستحصد الولايات المتحدة الأميركية في العراق ما حصده الاتحاد السوفييتي في حرب أفغانستان؟!

كاتب إماراتي

sultan654@hotmail.com