عبارات كثيرة قيلت الأسبوع الماضي على ألسنة قادة إسرائيليين ظلت بلا تفسير.. وإنما جسدتها أحداث لاحقة، وكأن هناك لغة خفية يفهمها القادة الإسرائيليون ويتركونها معلقة في الهواء ثم تتجسد على الأرض، كحادث اغتيال أو عملية عسكرية، ولا يحاول المعلقون الإسرائيليون تفسيرها وإنما يشيرون إليها كنوع من الإشارة الضمنية إلى أن ما حدث هو من فعل إسرائيلي مع سبق الإصرار والترصد.

العبارة الأولى وردت على لسان إيهود باراك أثناء اجتماعه مع سكان سديروت، حيث قال باقتضاب إن جهاز «الشاباك»، أي المخابرات، يعمل بنشاط في غزة وينفذ عمليات سرية..

وتبين لاحقا أن وحدة النخبة التابعة لرئاسة الأركان، والتي كان باراك نفسه عضوا فيها عندما نفذت اغتيال خليل الوزير أبوجهاد في تونس عام 1988، تقوم بعمليات كوماندوس في غزة وتختطف وتغتال بسرية تامة.

وهي الوحدة المسماة «اسييرت نثكال» والتي أصيب أحد أفرادها في مطلع الأسبوع الماضي في رفح، ولم يكن الجندي الذي أصيب برصاص قناص فلسطيني في عملية كوماندو، بل كان يشارك قوة من لواء غولاني في توغل قرب مطار ياسر عرفات، وقبل ذلك حدث انفجار مروع في مخيم البريج أسفر عن دمار شامل لمبنى يقيم فيه احد قادة سرايا القدس.

وقتل العشرات في الانفجار الذي لم يعرف سببه حتى الآن، بين قائل انه نتيجة صاروخ وقائل انه قنبلة فراغية ألقتها طائرة اف 16، لكن الإسرائيليين أو شهود العيان نفوا ملاحظة أي طائرة، فالعملية ربما تكون من فعل المخابرات الإسرائيلية.

وثمة عبارة أخرى قالها إيهود باراك قبل مغادرته إلى تركيا في زيارة رسمية عشية اغتيال عماد مغنية، حيث قال عندما سئل من الصحافيين عن أسماء الأهداف القيادات التي سيستهدفها الإسرائيليون: «لا نكشف أسماء الأهداف حتى لا تختفي».

وكان المقصود قادة حماس، لكن ربما كان يقصد مغنية أيضا الذي اغتيل في دمشق ووصل نبأ اغتياله إلى باراك أثناء حديث له مع الصحافة واقترب منه مرافقه العسكري وأطلعه على ورقة ما ربما تشير إلى حادث الاغتيال فور وقوعه.

وبعد عودة باراك من تركيا توجه فورا إلى مقر الحاخام عوفاديا يوسف زعيم حزب شاس الروحي، الذي كان يهدد بالانسحاب من الائتلاف الحكومي بلسان رئيس الحزب نائب رئيس الوزراء ايلي يشاي الذي اعتاد التهديد بالانسحاب يوميا، وهمس باراك بعبارة واحدة في أذن الحاخام، وبعدها أعلن أن شاس لن ينسحب من الحكومة. فما هي الكلمة السرية؟

وهل ثمة حرب في الطريق ضد حماس أم حزب الله أم إيران؟ فكل الدلائل تشير إلى أن إسرائيل تعد العدة لتصفية حسابات قديمة مع حزب الله، وتستعد لحسم الملف النووي الإيراني خلال هذه السنة.

وستبادر هي لتوجيه الضربة إلى إيران بمساعدة أميركية سيكون من الصعب أن تتحقق في العام المقبل عندما يكون هناك رئيس جديد للولايات المتحدة، فالرئيس الحالي سيتطوع لمساعدة إسرائيل في أية ضربات محتملة لإيران، خاصة وان إنهاء الملف النووي الإيراني قد يساعد المرشح الجمهوري على الفوز في الانتخابات الرئاسية.

ويخطط الإسرائيليون إلى جانب هذا وذاك لضربة عسكرية ل«حماس» في غزة وثمة خطة جاهزة لهذا الغرض تنتظر نضوج الظروف السياسية لتنفيذها فقد ورد على لسان إيهود أولمرت في لقائه مع رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية يوم الأحد الماضي قوله «نحن نفعل أمورا وليس دون نجاح» دون أن يوضح مغزى كلامه. وكان قبل ذلك قال إن إسرائيل ستصل إلى قادة «حماس» وستقضي عليهم.

وغني عن الذكر أن خطة إسرائيل لغزة جاهزة وجرت مناورات عسكرية عليها لاحتساب عدد الإصابات البشرية وبلغت 73 قتيلا إسرائيليا.. وتشمل الخطة اجتياح قطاع غزة من عدة محاور وتقطيع أوصاله، ثم تصفية قادة المقاومة من «حماس» و«الجهاد» وبقية الفصائل.

وتدمير البنية التحتية العسكرية ومعامل تصنيع الصواريخ، ثم السيطرة مجددا على محور الحدود في رفح مع مصر وإعادة الوجود الإسرائيلي المباشر على معبر رفح، ثم إخضاع السلطة الفلسطينية للأمر الواقع وطلب قوات دولية للسيطرة على الأمن في غزة.

إذاً ثمة نذر لمعارك مقبلة خلال هذه السنة لها ما بعدها. فالملفات الساخنة بالنسبة لإسرائيل هي نفسها بالنسبة للولايات المتحدة، ووصل الإسرائيليون إلى قناعة بأن الملف الإيراني إذا لم يحسم خلال هذا العام فإنه لن يحسم أبدا، وأن فكرة حشد حلف عربي ضد إيران تلاشت ولم يستطع الأميركيون إيجاد آذان عربية تصغي لهم في ما يخص إيران، التي نشطت دبلوماسيا.

وحيدت الكثير من الدول العربية وظهرت وكأن محورها الفاعل الممتد من طهران عبر العراق وسوريا ولبنان حتى غزة، قادر على الحركة والتحريك والفعل والتأثير. صحيح أن هناك حسابات خاصة لكل عنصر من مكونات الحلف، لكنها تلتقي في هدف أشمل.

وهو مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة وفرض نفسها في موقعها. فسوريا لديها تطلعات للعودة والتأثير في الساحة اللبنانية، و«حماس» المحاصرة لديها طموحات مرتبطة بأهداف المحور كله.. وحزب الله كذلك.. أما العراق فهو الورقة الأكثر قوة بالنسبة لإيران.

وحتى الآن من غير المعروف أين ستكون بداية ثوران البركان في المنطقة، وأغلب الظن أنها ستبدأ من النقطة الأضعف بالنسبة لإسرائيل وهي غزة، لأن «حماس» ساهمت بسياساتها العشوائية في إحكام الحصار حول نفسها وباتت جزيرة منعزلة وسط محيط معاد.. فلا هي قادرة على تحريك أنصارها في الضفة الغربية، بل وفقدت حتى التعاطف المصري معها بعد أحداث معبر رفح.

فالمعلومات المتوفرة من غزة تشير إلى نزول قادة «حماس» تحت الأرض.. ويقال إن إسماعيل هنية يختبئ في نفق تحت منزل الرئيس الفلسطيني محمود عباس وهو نفق حفرته حماس في وقت سابق وقيل انه لتفجير منزل أبو مازن أثناء وجوده.

ولهذا يسرع الإسرائيليون في المفاوضات لتبادل الجندي الأسير مع حماس، وربما إذا تمت عرقلة الصفقة سيقولون انه لم يعد حيا مثلما حدث مع الأسيرين لدى حزب الله.. وهذا الإعلان يخلي مسؤولية الحكومة الإسرائيلية عن حياة الأسرى، ويطلق يدها لأي عملية أو حرب مقبلة.