الاغتيال السياسي بين الجريمة وتحقيق أهداف السياسة

الاغتيال السياسي بين الجريمة وتحقيق أهداف السياسة

ت + ت - الحجم الطبيعي

منذ آلاف السنين وُلدت فكرة التخلص من الخصم السياسي عن طريق التصفية الجسدية. عادة ما يحدث ذلك بين طرفين وصلت أمور القطيعة ومستوى التفاهم بينهما إلى درجة لا يجد الحوار السلمي طريقه إليهما. تنتشر ظاهرة الاغتيال السياسي في بيئات الصراع على السلطة والثروة والحصول على الامتيازات. تمتلك الحكومات المركزية الرصيد الأكبر في تدبير وتمرير عمليات الاغتيال.

يقدم الحكام على قتل مناوئين سياسيين لهم من المعارضة، وتقدم المعارضة على اغتيال أعداء مناوئين لها خاصة من أركان نظام الحكم. كثيرا ما لجأت الدول الكبرى إلى اغتيال السياسيين المناوئين لها، خاصة في دول العالم الثالث بغية تغيير أنظمة الحكم فيها.

في الهيئات القانونية الدولية لا يوجد تعريف مطلق مقنِع يمكن الركون إليه، يحدد بالضبط المفهوم اللغوي والقانوني والأخلاقي والسياسي للاغتيال. كل تعريف موضوع، خاضع لتأويل الأفراد والجماعات. يُعزى ذلك لسبب الغموض الذي يكتنف القاتل والضحية وشرعية وجود ونشاط الاثنين، أي بعبارة أخرى «من يغتال من؟!».

في الوقت الذي يعتبر القاتل أن الأمر طبيعي وضروري لحفظ الأمن والأمان والمصالح العامة، يذهب أتباع الضحية في تبيان حيثيات ومعطيات أخرى مغايرة. قد يكون الضحية في نظر القاتل وأتباعه مجرماً، وفي نظر الضحية وأتباعها مناضلاً شريفاً يسعى إلى استرجاع حقوق وكرامة مهدورة له ولأتباعه. لكن الاغتيال السياسي يبقى عملاً مرفوضاً ومستقبحاً وجباناً، وعادة ما يقع في ظروف تقضي فيها الضحية نتيجة غدر محكم بها.

منذ مطلع القرن العشرين حتى يومنا هذا، سُجلت عشرات الحالات من الاغتيال السياسي لشخصيات مهمة، أدت في تبعات قسم منها إلى حدوث كوارث كبيرة على البشرية.

مثلاً، الحربان العالميتان الأولى والثانية، اتخذتا من محاولتي اغتيال شخصيتين معتبرتين سياسياً في مدينة سراييفو البوسنية شرارتي البدء. في المقابل هنالك عمليات اغتيال سياسي شهيرة، مثل حادث اغتيال الرئيس الأميركي جون كيندي عام 1963 على يد أحد الأميركيين؛ ولا تزال ظروف وأهداف اغتيال الرئيس جون كنيدي غامضة حتى الآن.

انتشرت عمليات الاغتيال السياسي عبر العالم، إلا أن منطقة الشرق الأوسط حظيت بالكثافة العالية نسبياً. المنطقة التي تحيط بوجود الكيان الإسرائيلي، شهدت العشرات بل المئات من عمليات الاغتيال السياسي على مر السنين الماضية.

قسم من عمليات الاغتيال قامت به إسرائيل بشكل علني وصريح، وآخر بشكل غير مباشر واتخذ طابعاً شديد السرية والمكر. الساحة الرئيسية أو الأكبر لعمليات الاغتيال السياسي هي لبنان، لما في ذلك البلد من تنوع ديني ومذهبي وطائفي وعرقي فريد من نوعه.

صيغة التعايش البنّاء لا ترضي إسرائيل أو تساهم في تحقيق رغباتها وطموحاتها التكتيكية والإستراتيجية؛ الكيان الإسرائيلي مبني على العنصرية والفاشية بشكل رسمي واضح.

حديثاً الساحة الفلسطينية الداخلية لا تكاد تخلو على مدار الساعات والأيام والأسابيع والأشهر، من عمليات اغتيال سياسي في جلها تستفيد إسرائيل منها، سواء ارتكبتها إسرائيل بنفسها أو ارتُكبت بالنيابة عنها. من كان حظه حسناً!

من المناضلين الفلسطينيين المستهدفين أصيب بجراح لم تقتله، أو امتدت إليه يد «الرحمة» الإسرائيلية وأدخلته السجن إلى أجل غير مسمى. بعد أن هبط كثيراً منسوب مخزون الشخصيات المناضلة المستهدفة، إسرائيل اليوم تبحث ليل نهار عن ضحايا جدد قيّمين، تسوقهم إلى مذبح الاغتيال لأهداف تكتيكية وإستراتيجية. وحتى الموصوفين بأنهم معتدلون تجاهها، هم مرشحون للاغتيال السياسي المباشر وغير المباشر، معنوياً وجسدياً.

يقال في حادث اغتيال شخصية مرموقة انه إذا ما مر بعض الوقت، أسبوع أو بعض أسبوع، على الجريمة أو الحادث ولم يتم الكشف عن خيوط حقيقية على الأقل تدل على مرتكبها ومدبريها، على الجميع أن يعرفوا أن في الأمر اغتيالا سياسيا مدبرا. ذلك ما يتطلب إقفال الأبواب على أية معلومات مهما تكن هامشية، قد تؤدي إلى تخمين الجهة الفاعلة.

وإذا ما كان مسرح حادث الاغتيال يتمتع بإجراءات أمنية غير عادية، يصبح على الجهات المعنية نثر الكثير من الرماد في العيون وإطلاق المزيد من دخان البنادق، للتغطية على الحادث كمقدمة لمحوه من الذاكرة العامة. تبعاً لذلك تبدأ كافة السيناريوهات والاحتمالات بالورود إلى أذهان المحللين، في جلها بعيدة كثيراً عن الواقع وتشبه الغوص والسباحة في المياه العكرة شديدة الملوحة.

لكن أهداف وتبعات الاغتيال السياسي أكثر أهمية من الجريمة نفسها بحق الضحية. ذلك أن الشخصية الضحية أو المستهدفة غالباً ما تكون على قدر كبير من الأهمية والضرورة بالنسبة لأتباعها الكثيرين، وأن المساس بها يعد مساساً بكامل مجموعة البشر تلك بشكل مؤثر.

قد تتراوح الحوافز والأهداف بين النيل من الشخصية الفردية بشكل انتقامي، إلى محاولة تحقيق مكاسب سياسية محدودة في الأجواء وميدانية على الأرض. وقد تذهب أهداف الاغتيال بعيداً في إيقاع أقصى الأذى بالطرف الآخر ونشر الخراب والدمار والويلات حول الديار.

في العام 1976 أدى اغتيال المرحوم معروف سعد، رئيس مجلس بلدية مدينة صيدا الجنوبية، إلى إشعال فتيل حرب أهلية طويلة في لبنان. لا يُعتقد أن إسرائيل كانت ذات علاقة بحادث الاغتيال، إذ لو كان الأمر كذلك لربما هدّأ ذلك من حماس السياسيين اللبنانيين لبدء الحرب الأهلية وانخراطهم فيما بعد فيها لفترة طويلة.

حديثاً ومجدداً حاول أعداء لبنان تكرار سيناريو بدء الحرب الأهلية عن طريق تدبير اغتيال شخصيات أكبر تأثيراً، رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، لكن الطريق لا يزال مغلقاً أمام نجاحهم. حين لم تنجح الأطراف المستفيدة من عملية الاغتيال هذه، عملت على توسيع نطاق ظاهرة الاغتيال السياسي الهادف في لبنان.

لكن توجيه إصبع الاتهام نحو إسرائيل، أو حتى إلى أية جهة خارجية، في عملية اغتيال ساعد في إطفاء «تلهف» البعض للذهاب بشكل أصم أعمى إلى الحرب.

المثير للجدل في حوادث الاغتيالات السياسية، هو الشلل في القدرة الذي يعتري عملية الكشف عن الفاعلين. لرجل الشارع العادي الأمر يبدو من البساطة والسهولة. المثل الشعبي يقول «إن كل شخص يعرف غريمه».

كل حزب أو جهة سياسية أو إدارية، لديها جهاز أمن يتمكن من تحديد الفاعل للاغتيال بسرعة قياسية. إذا ما تخيلنا 100 احتمال ترد إلى ذهن الخبير الأمني، فإنه يمكنه تقليصها إلى أقل من عشرة احتمالات في ساعة أو بضع ساعة.

إذا ما أعطي ذلك الخبير الأمني يوماً أو بعض يومٍ فإنه، ومهما يكن مستوى ذكائه، لا يمكن أن تفلت تلك الجهة الفاعلة من «قبضة عقل» الخبير الأمني. لكن إذا ما مر على الجريمة دهر من الزمان دون الوصول إلى نتيجة، فإنه لا مناص من التفكير في أن مؤامرة قد حيكت ضد الضحية. عادة ما تضم المؤامرة أطرافاً وأجهزة سرية دولية وإقليمية ومحلية، وربما حزبية وعائلية ضيقة قد تم ترتيبها وتنظيمها وإدخالها جميعاً بشكل محكم مسبق إلى مسرح الجريمة، وكل له دوره.

التحقيق المحايد النزيه مطلوب جداً لتحديد هوية القاتل. لكن تجسيد صفة الحيادية والنزاهة في أيامنا هذه هو من قبيل الافتراض غير الواقعي. كل طرف من الأطراف السياسية يريد المحكمة أن تعمل لصالحه، سواء أكان من أهل الضحية أو من المناوئين المفترضين لها، في حياتها وبعد مماتها.

حسب معطيات وتاريخ الاغتيال السياسي الحديث، فإنه ليس من مصلحة أنظمة الدول السياسية كشف الفاعل، ذلك أن هنالك عشرات القضايا العالقة ومنذ عقود بشأن الاغتيال السياسي لم يتم الكشف عنها، خشية أن تفوح برائحتها على الأطراف الفاعلة الدولية وتودي بسمعتها أمام الرأي العام المحلي والدولي.

خلاصة القول والاستنتاج، فإنه على قبور ضحايا عمليات الاغتيال السياسي تُقرأ الفاتحة ويُلقى السلام، وإلى إشعار آخر متجدد بشكل تلقائي.

جامعة الإمارات

Nasrin@uaeu.au.ae

طباعة Email