في أواخر عشرينات القرن الماضي نشر الكاتب الإنجليزي الراحل جورج أورويل مقالة قال فيها إن اختراع البث الإذاعي «الذي كان حديث العهد في ذلك الزمان» قلل من قدرة الحكومات على ممارسة الكذب والتلفيق على نطاق واسع. فالبث الإذاعي أتاح للمعلومة والمعلومة المضادة اجتياز الحدود الجغرافية بين الدول بحيث إن كذبة من حكومة ما يمكن أن يدحضها تكذيب من حكومة أخرى عن طريق جهاز الراديو.

ولو عاش أورويل حتى زماننا هذا لقال الشيء نفسه ـ أو أكثر منه ـ عن ظاهرة البث بالصورة والصوت معاً بواسطة النقل المباشر بالأقمار الصناعية على مدى 24 ساعة.

الآن وبعد مضي 12 عاماً من عهد الثورة الإعلامية العالمية توصلت بعض الأنظمة الحاكمة في العالم العربي إلى قناعة نهائية بأن البث بالأقمار الصناعية إذ يحد قدرتها على الكذب على شعوبها فإنه يضاعف من قدرات أي أطراف أخرى على كشف الأكاذيب الحكومية، وتحولت القناعة النظرية إلى فعل. فقد تبنت الأنظمة ما أطلقت عليه وثيقة ضبط البث الفضائي التلفزيوني والإذاعي.

إنها خطوة إضافية تأتي في سياق عملية إحكام القبضة على السلطة على الطراز الفاشستي. ومرةً أخرى تستدعي الذاكرة جورج أورويل. فبعد الحرب العالمية الثانية نشر هذا الكاتب الساخر روايته الملحمية التي أطلق عليها عنوان «ألف وتسعمئة وأربعة وثمانين» والتي يصور فيها حياة مجتمع تحت نظام حكم شمولي فاشستي.

من خلال الصورة المتحركة عبر فصول الرواية تبرز بصفة خاصة وزارة الإعلام التي يطلق عليها المؤلف «وزارة الحقيقة» التي «تتعامل بالأكاذيب» بوسائل قتل المعلومة الصحيحة أو اختلاق معلومة أو تحريف أو تزوير.

ويبدو أن هذا هو النموذج الأقرب إلى قلوب وأفئدة بعض أصحاب السلطة في العالم العربي. ولذا لا يصح أن نفصم وثيقة «ضبط» البث الفضائي التلفزيوني والإذاعي عن عناصر السياق السلطوي العربي العام، فالذي يراد لهذه الوثيقة هو أن تكون إضافة جديدة لوسائل كبت حريات التعبير.

فبعد قمع حرية النشر في الصحف والكتب وحرية التظاهر السلمي يأتي الآن قمع الحرية التي تمارس عبر الفضائيات من خلال البرامج الحوارية والتحقيقات الإخبارية والمقابلات والأفلام التسجيلية وبذلك يشمل القمع حرية المشاهدة والاستماع.

في المجتمع الفاشستي الذي صوره أورويل نتعرف على جهاز «التيليسكرين» وهو شاشة عملاقة مثبتة على الحائط داخل مسكن كل مواطن. وهو ليس جهاز استقبال تلفزيوني فحسب بل هو أيضاً جهاز إرسال.

فبينما يستقبل البرامج التلفزيونية الحكومية التي تبثها «وزارة الحقيقة» فإن بوسع الجهاز أيضاً أن يلتقط في أي وقت تقرره الأجهزة الأمنية أي حركة أو حديث داخل السكن بالصورة والصوت معاً!

وبعد.. فان من المستحيل إغلاق الجهاز.. رغم أن من الممكن خفض صوته، وربما يكون مثل هذا الجهاز الخيالي يراود أحلام بعض الأنظمة السلطوية العربية في مسعاها المحموم للانتقال من الفساد في الأرض إلى الفساد في الفضاء!