التجاوب الذي أبداه الرئيس الفلسطيني محمود عباس إزاء المبادرة التي قدمها الرئيس اليمني علي عبدالله صالح لحلحلة الأزمة الناشئة والمستمرة لأكثر من سنتين بين حركة فتح وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، خطوة في الاتجاه الصحيح تستلزم أن تتضافر معها جهود عربية أخرى، للسير باتجاه بناء الثقة بين الطرفين اللذين تتعمق الأزمة بينهما كل يوم، بحيث أصبحت ككرة ثلج تزداد تضخمًا، وذلك بفعل التزمُّت الذي يبديه كل طرف إزاء مواقفه وشروطه، ولا يرغب كلاهما الرجوع عنها قيد أنملة، متناسين أو غير آبهين بأن هناك جرائم إسرائيلية على الأرض ترتكب بحق الشعب الفلسطيني الذي هم جزء منه ومسؤولون عن تجنيبه كل المآسي التي يمر بها الآن.
إن الشعب الفلسطيني يعاني اليوم الأمرَّيْنِ جراء الجرائم المتواصلة ليل نهار التي ترتكبها الآلة العسكرية بحقه، وحرمانه من أبسط حقوق الإنسان، من طعام ودواء وماء وكهرباء، وتسومه تلك الآلة الجرارة الخارجة عن القانون والشرعية الدولية صنوف العذاب، إذ تصليه بإرهابها من كل اتجاه وتجوقل إليه الموت صباح مساء، فضلاً عن تبعات حالة التناحر والاقتتال بين الأشقاء الذين يعول عليهم أن تسمو المصلحة الوطنية لديهم فوق كل مصلحة فئوية أو حزبية، والذين يتمنى عليهم أن ينظروا إلى تراب وطنهم على أنه أغلى من أي معدن نفيس، ولا مساومة عليه.
والمبادرة اليمنية تشكل فرصة مواتية لعودة المياه إلى مجاريها وإنهاء حالة المواجهة والبناء عليها والتخلي عن حواجز الشروط التي لا تخدم القضية، بل تزيدها استعارًا وتعمقًا، حيث إن المبادرة تشتمل على سبع نقاط تستهدف العودة بالأوضاع في غزة إلى ما كانت عليه، وإجراء انتخابات مبكرة، واستئناف الحوار على قاعدة اتفاق القاهرة 2005 واتفاق مكة 2007، على أساس أن الشعب الفلسطيني كل لا يتجزأ، وأن السلطة الفلسطينية تتكون من سلطة الرئاسة المنتخبة والبرلمان المنتخب والسلطة التنفيذية ممثلة بحكومة وحدة وطنية، والالتزام بالشرعية الفلسطينية بكل مكوناتها، واحترام الدستور والقانون الفلسطيني والالتزام به من قبل الجميع، وإعادة بناء الأجهزة الأمنية والمؤسسات على أسس وطنية، بحيث تتبع السلطة العليا وحكومة الوحدة الوطنية ولا علاقة لأي فصيل بها.
وما يجب الإشارة إليه في هذا الصدد هو ضرورة بناء الثقة بين حركتي فتح وحماس وضمان حسن النوايا، وهذا يتطلب دخول أطراف عربية على خط الوساطة وإعطاء المبادرة زخمًا وقوة دفع لإجبار الحركتين على الجلوس على طاولة واحدة، واغتنام الفرصة لتبديد أجواء الفرح والاستفراد وفضح فن المراوغة التي تسعى إسرائيل إلى تكريسها على حساب هذا التنازع والتلاسن بين الحركتين، ولعل أبسط مثال على ذلك هو أن إسرائيل الآن تفاوض الفلسطينيين على قضايا لا تتعلق بجوهر الصراع وهي الحدود وإيقاف الاستيطان وعودة اللاجئين والقدس، وإنما تفاوضهم على قضايا الاقتصاد والمياه والبيئة.
