عند ذكر أي إحصائية عن تعداد السكان بالدولة تصيبنا غصة قاتلة في نفوسنا، ونعيش حالة من الذهول و الفزع على حاضر ومستقبل بلادنا وعلى مصير الأجيال المقبلة، تلك الأجيال التي لا نعرف كيف ستحيا كأقلية على أرضها وسط أمواج من البشر تتزايد أعدادها بشكل مخيف وزحف غير طبيعي يأتي إلينا يومياً بالآلاف، حتى بات المواطن كنقطة هائمة وسط محيط يعج بالكثير.
تحدثنا كثيراً وتكلمنا أكثر عن الوضع غير الطبيعي للتركيبة السكانية في بلادنا وعن التحدي الأكثر ندرة على مستوى العالم الذي يواجهها، والمتمثل في النسبة العالية جداً للوافدين، لدرجة أصبح الموضوع يشكل هاجساً للمواطنين في النوم واليقظة، ويخيم على مشاهد حياتهم اليومية في غربة حقيقية يعيشونها على أرضهم وفي حالة استثنائية لا تتكرر في أي مكان.
بات المواطنون يحسدون شعوب الأرض في بلدانهم الذين يتواجدون في كل تفاصيل حياتهم، ولا يكون اللجوء للغريب سوى الحالة النادرة، على عكس ما هو حاصل عندنا، إذ أصبح وجود المواطن نفسه نادراً.
أكثر من ذلك فالوضع يسير من سيئ إلى أسوأ، ففي الإحصائية التي أعلنتها وزارة الاقتصاد في ديسمبر 2005، كانت الأرقام تشير إلى أن عدد السكان 4.1 ملايين نسمة، يشكل المواطنون ما نسبته 20 في المئة، في حين أن أرقام البنك الدولي لنفس السنة كانت تقول إن عدد سكان الدولة يبلغ 4.5 ملايين نسمة، وقبلها بعشر سنوات، أي في العام 1995 كان عدد السكان 1.8 مليون نسمة.
وكانت التوقعات تشير إلى بلوغ عدد السكان مع حلول 2010 ما يزيد على 6 ملايين نسمة، لكن ما أعلنه أحمد بن شبيب الظاهري النائب الأول لرئيس المجلس الوطني الاتحادي عن البيانات الخاصة بعدد سكان الدولة في نهاية 2006، والذي بلغ 5.6 ملايين، منهم 866 ألف نسمة فقط هو عدد المواطنين، كان بمثابة الضربة الموجعة التي ضربت في العمق.
فما معنى هذا الوضع الذي نحياه، وهل يعقل، بدعوى دعم القوة الاقتصادية وغيرها من الحجج التي يسوقها البعض لتبرير هذه الزيادة المخيفة، السكوت على ذلك، والسماح للأجانب والعمالة المتزايدة، والسماح للوضع أن يبقى على ما هو عليه، من أجل عيون المليارات التي تدخل جيوب البعض على حساب سلامة الوطن والمواطن في مجتمع يكاد لا يكون له فيه أي مكان أو وجود؟
قلنا ونقول مجدداً تلزمنا خطط فعالة للتعامل مع خلل التركيبة السكانية بشكل جدي يفوق عرض الأرقام وإبداء القلق والمخاوف إزاء وضع غير طبيعي، وضع جلبه لنا تفكيرنا الآني دون أدنى تفكير متعمق فيما ستؤول إليه الأمور.
المسألة أكبر من بحث المواطنين عن وطن يتسرب من أيديهم، وأعمق من غربة يحيونها وأشمل من نظرة يلقونها على مستقبل أبنائهم، وأوسع مما يراها أصحاب المصالح، نتحدث عن وطن يوشك أن يكون في مهب الريح.
