في العلاقات الدولية، يقال لا توجد عداوات دائمة ولا صداقات خالدة، فالمصالح هي الوحيدة التي تحرك وتصنع السياسات الخارجية بعيدا عن العقائد والأيديولوجيات والرغبات والهواجس الدينية أو العرقية أو القومية وأية مواقف مبدئية، لكن لعلم السياسة هفواته الكبرى عندما يعجز عن تفسير الأسباب التي تدفع السياسة الدولية للإدارات الأميركية المتعاقبة إلى التحليق خارج سرب العلاقات الدولية والأصول والقواعد التي تحكمها.
ثمة الكثير من الأمثلة التي تؤكد هذا الطرح، لكن أبرز مثالين هما موقف الولايات المتحدة الاستراتيجي الثابت والداعم للدولة العبرية. أما الثاني الذي لا يقل عن الأول ثباتا فيتجلى في رغبة أميركية دفينة في التخلص من الزعيم الكوبي فيديل كاسترو.
فصول ملاحقة كاسترو من قبل مختلف الدوائر الرسمية وشبه الرسمية في واشنطن بدأت منذ أن تمكنت الثورة الكوبية بقيادة الزعيم الشاب عام 1959 من الإطاحة برجل واشنطن في هافانا، الرئيس الكوبي المخلوع باتيستا، ولم تنته حتى يومنا هذا وتخللتها العشرات من محاولات الاغتيال الفاشلة وتشكيل حركات وقوى مناهضة للنظام داخل الجزيرة الكوبية وخارجها وبناء آلة إعلامية ضخمة في ميامي موجهة لأبناء الجزيرة، لكن كل هذه المحاولات كانت متواضعة النتائج ولم تحدث أي تغيير يذكر.
في مايو 2006 كان كاسترو والعالم أجمع على موعد مع أحد تلك الفصول الهزيلة عندما أدرجت مجلة «فوربيس» إسم الزعيم الكوبي ضمن قائمة قادة العالم الأثرياء، لكن ردة فعل الرجل لم تتأخر كثيرا حين قال: أتحداهم جميعا وعلى رأسهم الرئيس بوش الغشاش ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والأجهزة الثلاثة والثلاثين الإستخبارية في الولايات المتحدة وآلاف البنوك حول العالم.
أتحداهم وسترون أنهم سيصمتون، الأمر الذي كان حري بمن يرغب بتصفية الرجل أن يقبل بهذا التحدي ويثبت ما ذهب إليه الإدعاء المغرض الذي أطلقته المجلة الشهيرة، لكن أحدا لم يحرك ساكنا وخرج كاسترو منتصرا مرة أخرى في الحرب المفتوحة المعلنة من قبل الولايات المتحدة ضده، ولكي يضفي شيئا من الظرافة على الموضوع استدرك قائلا: جيب قميصك يا سيد بوش يتسع لكل ثروتي.
منذ وقوعه صريع فراش المرض، انشغل الزعيم الكهل في كيفية استغلال وقته، فلجأ إلى كتابة مقالات بدونها كان جانب من حياة الجزيرة وفكر زعيمها سيبقى غامضا إلى الأبد، لكن ما كتبه في صدر الصفحة الأولى من صحيفة «غرانما» صبيحة الـ 19 مايو الجاري كان مختلفا تماما عن كل ما سبقه من كتابات وتصريحات ودلالاته تضرب عميقا في فكر وضمير رجل قدم حياته رخيصة، بالفعل لا بالقول،على مذبح الشأن العام في بلاده .
وفي أميركا اللاتينية والعالم أجمع، فلقد جاء في تلك السطور المقتضبة أن الرجل يتنحى عن رئاسة الدولة وقيادة الجيش في الوقت نفسه مفسحا الطريق بذلك أمام تواصل عملية التحول السياسية التي تشهدها البلاد وهو على قيد الحياة وليس بعد وفاته كما كانت تتوقع الدوائر المتربصة به شرا في الشمال.
حقيقة تنحي كاسترو باتت من الحقائق اليومية التي لا يرقى إليها الشك ولم يبق للرجل إلا مكانة تاريخية شيدها ورفاقه السابقون واللاحقون بالعرق والدم رغم الهفوات والأخطاء العديدة والقاتلة أحيانا التي تلوح في أفق حركة اجتماعية قالت «لا» لجبروت الطاغية واستعلائه ونعم لصوت الشارع والمخلصين لقضايا شعوبهم.
لكن على الرغم من ذلك، فإن الموقف الأميركي من استمرار فرض الحصار الخانق على سكان الجزيرة الكاريبية باق على حاله لم يتغير قيد أنملة وجاء هذا الموقف على لسان أعلى سلطة في واشنطن ممثلة برئيسها بوش الذي أكد بصراحة لا تقبل التأويل أن الحصار مستمر رغم إعلان الرئيس الكوبي عن تنحيه عن كافة سلطاته.
شخص في مواجهة تاريخ وحاضر وربما مستقبل ما يطلق عليه القوة العظمى الوحيدة في العالم.
ارتبطت حياة كاسترو الشخصية والعامة بالجارة الكبرى في الشمال منذ نعومة أظفاره، فهو سليل عائلة أرستقراطية إقطاعية ما أن أعلن ابنها العاق عن انتصار ثورته حتى شدت الرحال وهاجرت إلى بلاد العم سام بما فيها زوجته وابنته.
ومن ثم تلاحقت فصول هذه العلاقة القاسية تباعا، فكانت محاولات إجهاض الثورة والقتل والتجويع. كاسترو فهم العقلية الأميركية كما هي فقهرها، لكن صلف المتنفذين في الشمال حال دون رؤيتهم للحقيقة السائدة ليس في كوبا فحسب، وإنما في عموم بلدان أميركا اللاتينية. الحقيقة تفيد بأن الناس هناك، كغيرهم من شعوب العالم، يكرهون عنجهية الرجل الأبيض وغطرسته.
حتى تستقيم الأمور ويتمكن هؤلاء وغيرهم من فهم طبيعة العلاقة القائمة بين الناس وزعيمهم التاريخي في كوبا لا بد من النزول إلى أزقة هافانا القديمة وتوجيه سؤال واحد فقط هو: ما رأيك بنظام كاسترو؟ الإجابة تأتي سريعة قاطعة في آن: نحن لا نريد الاشتراكية لكننا نحب فيديل.