يقال إن سبب تفشي البطالة بين الشباب العربي من خريجي الجامعات هو أنهم تلقوا تعليماً رديئاً لا يتجاوب مع احتياجات سوق التوظيف في البلدان العربية إجمالاً. ولكن الأصح أن يقال إنه في غالبية البلدان العربية لم تعد توجد سوق توظيف أصلاً.

في البيان الختامي للمؤتمر الإقليمي العربي حول «التعليم للجميع» الذي عقد الأسبوع الماضي في الدوحة دعا المشاركون إلى ربط الخطط التعليمية في بلدان العالم العربي بخطط التنمية الوطنية. ومن الواضح أن هذه التوصية مبنية على فرضية أن للحكومات العربية برمجيات تنموية منتظمة لكن هذه الفرضية ليس لها أساس.

من خلال إدارتها لحركة الاقتصاد الوطني لا تعطي غالبية الدول العربية أولوية للنظام التعليمي أو النظام الصحي. الأولوية القصوى هي للنظام القمعي ضد النشاط السياسي المعارض. وعلى أساس هذه الأولوية فإن استيراد تجهيزات مختبرية حديثة للجامعات يسبقه ويتغلب عليه استيراد أحدث أدوات تكنولوجيا التعذيب لتستخدمها الأجهزة الأمنية الداخلية في المعتقلات.

الحكومات العربية لا تنشر عادة أرقام الاعتمادات المالية المخصصة للأجهزة الأمنية السياسية في الميزانية العامة السنوية. لكن وفقاً لتقديرات الخبراء في هذا الصدد فإن الاتفاق الأمني الداخلي لا يقل عن 75% من إيرادات الميزانية العامة.

وإذا أخذنا في الاعتبار أن بقية الإيرادات تخصص رواتب العاملين في المؤسسات الحكومية فإننا نخلص إلى أنه لا يتبقى لدى الدولة وفر يمكن أن يتراكم مع مرور السنين لتمويل مشروعات تنموية في المجالات الإنتاجية يؤدي تنفيذها إلى خلق وظائف متجددة، ما يسهم في تقليص ظاهرة البطالة على مدى قريب والتغلب عليها بالكامل على المدى البعيد.

لقد جاء أيضاً في البيان الختامي لمؤتمر الدوحة التأكيد على الحق في التعليم كحق أساسي من حقوق الإنسان وحماية هذا الحق والعمل على تحقيق تكافؤ حقيقي في الفرص للالتحاق بالمدارس والجامعات والتأكد من عدم حرمان أي شخص من التعليم لأي سبب كان، خاصة لأسباب تتعلق بخصائصه الشخصية أو عدم قدرته أو قدرة أهل أو أولياء أموره على تحمل التكاليف التي يمكن أن تنتج عن ممارسة هذا الحق.

هذا طرح جميل مثالي.. لكنه خيالي. فالواقع العربي يفيدنا أولاً بأن التعليم في المدارس والمعاهد والجامعات الحكومية في غالبية بلدان العالم العربي أصبح في حالة انحطاط شامل.. وثانياً ان التعليم النوعي الجيد بجميع مستوياته التربوية ليس متاحاً إلا لمن لهم أولياء أمور مقتدرون مالياً، وهؤلاء أقلية ضئيلة.

المعيار الأساسي في هذه الحالة إذن هو أن أبواب التعليم الجيد ليست مفتوحة أمام النوابغ والمتفوقين، ولننظر في تجربة كل من الصين وكوريا الجنوبية وماليزيا، على سلم النهضة التنموية الاقتصادية والاجتماعية صعدت هذه الدول سريعاً وفرضت نفسها على الساحة الدولية كدول ناجحة، والسبب الأساسي لهذه الانطلاقة هو أن هذه الدول ابتدعت نظاماً تعليمياً يتيح فتح الأبواب واسعة للنوابغ والمتفوقين في معاهد وجامعات تتولى الدولة الإنفاق عليها.

وإذن وقياساً على هذه التجارب الناجحة نستطيع أن ندرك لماذا تبقى غالبية الدول العربية متخلفة.