ما لم نقل كشعوب وحكومات عربية وإسلامية وكبرلمانيين وإعلاميين للمحسن إلى قضايانا أحسنت وللمسيء لقيمنا ومقدساتنا أسأت، وما لم نكتف بالقول بل بالفعل ثوابا لمن أحسن وعقابا لمن أساء.. وما لم نقدم نحن أولا من أنفسنا بالقول والفعل نموذجا في الدفاع عن قضايانا واحترام قيمنا العربية والإسلامية بمواقفنا القولية، وحركتنا الفعلية بما يتفق مع ما هو حسن وما يبتعد عما هو سيء.
وما لم نطبق على أنفسنا وعلى شعوبنا المعايير الحقوقية ونحترم الكرامة الإنسانية لمواطنينا أولا، ونلتزم بتطبيق المواثيق الإنسانية العالمية، والقوانين الدولية ثانيا، وفى مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، فإننا نفقد منطقنا ومصداقيتنا بما لا يؤهلنا لكي نحاسب غيرنا، عقابا للخطأ وثوابا للصواب. هذا إن كنا أصلا نملك وضوح الرؤية لما هو صواب ولما هو خطأ، وإرادة الثواب والعقاب لمن يعادي قيمنا أو يعتدي على حقوقنا.
وكمراقبين إعلاميين كي لا نفقد منطقنا أو توازن رؤيتنا للأحداث والأشخاص وحتى يكون لنا مصداقية يلزمنا أن نشير ونشيد بما يبدو إيجابيا، ونشير وندين ما يبدو لنا سلبيا كجزء من واجبنا المهني في تبصير وتنوير الرأي العام العربي، سواء كانت الإدانة في جانبنا عربيا أو كانت الإشادة يستحقها غيرنا غربيا.
وكثيرا ما أيّدنا العمل الغربي للعدوان علينا فضلا عن المشاركة فيه، وكثيرا ما رفضنا المواقف الأوروبية المنحازة لإسرائيل الناتجة عما نراه تبعية مهينة لأوروبا قبل أن تكون مسيئة للعرب والمسلمين، وغالبا ما نددنا بما يبدو لنا تناقضا صارخا بين القول والفعل فيما تدعيه أميركا عن نشر الديمقراطية وما تدعو إليه أوروبا عن احترام حقوق الإنسان.
وما تتبعه من سياسة مزدوجة المعايير تجاه حقوقنا وقضايانا، لكن علينا دائما بالمقابل أن نتذكر شيئين، الأول هو أن مواقف دول الاتحاد الأوروبي مع ذلك ليست واحدة فى النظر والتعامل مع قضايانا، وأن موقف الاتحاد الأوروبي عموما رغم تبعيته النسبية للولايات المتحدة الدولة الكبرى في الحلف الأطلسي يبقى أكثر حقوقية وإنسانية، وأقل عدوانية وازدواجية من المواقف الأميركية.
والثاني هو أننا لا نخلط في تقييم المواقف الغربية عموما بين الحالة الأوروبية المستقوى عليها أميركيا والحالة الأميركية المستقوية على العالم، ولا بين المواقف الرسمية التابعة والمدانة والمواقف الشعبية والبرلمانية الحرة والإيجابية سواء الأوروبية أو الأميركية.
ومطالبة البرلمان الأوروبي إسرائيل برفع الحصار عن قطاع غزة ووقف عملياتها العسكرية هناك، وتحذيره في قراره قبل يومين في «ستراسبورغ» إسرائيل من عواقب فرض عقوبات جماعية على سكان القطاع، وإعلانه أن محاولات إسرائيل لعزل القطاع قد فشلت على المستويين السياسي والإنساني.. بلا شك موقف إيجابي يستحق التقدير.
لكن الملفت أكثر هو دعوة البرلمان الأوروبي للسلطة الفلسطينية إلى إجراء حوار مع حركة المقاومة الفلسطينية الإسلامية (حماس)، الأمر الذي يضع السلطة التي يمثل الاتحاد الأوروبي الطرف الداعم اقتصاديا لها في موقف يستدعي المراجعة، خصوصا أنه المطلب الذي تدعو إليه الدول والشعوب العربية، وترحب به حماس بينما ترفضه السلطة الفلسطينية لحسابات سياسية وضغوط إسرائيلية وأميركية.
ليبقى المطلوب قرارا سياسيا عربيا وإسلاميا شجاعا لكسر هذا الحصار الجائر واللا إنساني الذي يقع في دائرة جريمة ضد الإنسانية حسب القانون الدولي الإنساني باعتبار أن كل من يشارك فيه مشارك بدرجة ما في هذا الجرم الدولي، وذلك قبل انتظار التعاطف الإنساني بفعل رسمي أوروبي أو أميركي.
وهنا أذكر بالقرار الشجاع للقمة الإفريقية في العاصمة البوركينية «واجادوجو» لكسر الحصار الظالم الذي فرضه مجلس الأمن الأميركي على الجماهيرية العربية الليبية بالمخالفة لقواعد القانون الدولي بذريعة لم تثبت صحة الاتهامات فيها بناء على تقرير اللجنة القضائية البريطانية.
وذلك بكسر الحظر الجوي فوريا على الرحلات الإنسانية والدينية والسياسية من وإلى ليبيا، فهل تحذو القمة العربية القادمة في «دمشق»، إن لم يعرقل انعقادها الأميركان والصهاينة، حذو القمة الإفريقية في «واجادوجو» لرفع الحصار اللا إنساني على الشعب الفلسطيني في غزة والعقوبات العدوانية على سوريا وعلى السودان؟