لم تكن عملية اغتيال عماد مغنية، القيادي في حزب الله، في العاصمة السورية دمشق، نسيج وحدها في عمليات الاغتيال، التي تنفذها إسرائيل وتتنصل منها، وهي بالتأكيد لن تكون الأخيرة، فهذه الدولة تنتهج وبشكل متعمد سياسة إرهاب الدولة المنظم، ولا تتورع عن استخدام كل ما في حوزتها من وسائل القوة الغاشمة، لتعزيز مكانتها كدولة قوية، وتكريس هيبتها، وفرض استراتيجية الردع إزاء مناهضيها.

وهي قبل أشهر قليلة مثلا (سبتمبر 2007) قامت بغارة جوية على منشأة قرب دير الزور (شمال شرق سوريا)، وسكتت عن ذلك أياما عديدة؛ بدعوى الاشتباه بها كمنشأة نووية (وهو ما تبيّن بطلانه فيما بعد).

لكن اغتيال مغنية له معان عديدة، فهذا الرجل غير معروف بشكل علني، ولا يعرف مكانا لإقامته، ولا شبكة تنقلاته، ولا مهماته، والمغزى أن إسرائيل، على أهمية تصفية مغنية بالنسبة لها (ولحليفتها الولايات المتحدة)، إنما تريد توصيل رسالة للمعنيين مفادها بأنه ليس ثمة ما يخفى عليها.

وأنها قادرة على الوصول إلى من تريد الوصول له، في رسالة إلى قيادات المقاومة في فلسطين ولبنان، وأن العاصمة السورية بالذات لم تعد مجالا آمنا لهم، في حال أرادت إسرائيل ذلك.

وفي ذلك بالطبع رسالة لحزب الله، ومحاولة من إسرائيل ترميم بعض الهيبة التي فقدتها في المواجهات مع هذا الحزب، في الحرب التي شنتها صيف العام 2006 على لبنان، والتي حصد فيها الجيش الإسرائيلي الخيبة، بسبب إخفاقه من الناحية العسكرية في هذه الحرب.

أيضاً فإن إسرائيل في هذه العملية، التي خرقت فيها السيادة والأمن السوريين، تريد القول بأنه لم يعد ثمة خطوط حمر في الصراع الضاري على الشرق الأوسط في هذه المرحلة، وأنها مستعدة لرفع درجة الابتزاز والاستفزاز تجاه سوريا.

وربما أن إسرائيل، وقد ضاقت ذرعا بسياسة الممانعه السورية المديدة والعنيدة، المتوازية مع سياسة الدعم للمقاومة في فلسطين ولبنان، إنما تتوخى من ذلك إيجاد حالة من المواجهة المباشرة الساخنة مع سوريا، لاستدراجها، أو توريطها في مواجهات غير مواتية، في هذه اللحظة الدولية والعربية غير المناسبة بالنسبة لها، أو على الأقل لخلق مناخات وأوضاع ليست مريحة لسوريا، وتعيق من دعمها للمقاومة ضد إسرائيل.

أيضا، في العملية الإسرائيلية ثمة رسالة لإيران، بحكم العلاقة الوثيقة التي تربط مغنية، وحزب الله، بإيران، وربما أن في ذلك خطوة تمهيدية في حساب التصعيد ضد الدولة الإيرانية، بالتساوق مع الولايات المتحدة.

على أية حال، وكما قدمنا فإن عمليات الاغتيال هذه ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، إذ ان العصابات الصهيونية، وقبل قيام إسرائيل، انتهجت سياسة الاغتيال، الفردي والجماعي، ضد الفلسطينيين العزل، وأحيانا ضد البريطانيين، ومنهم اللورد موين (وزير الدولة البريطاني في الشرق الأوسط) في أواخر العام 1944، الذي اغتالته عصابة شتيرن. كما تم اغتيال الكونت برنادوت ممثل الأمم المتحدة في الشرق الأوسط (1948).

ومن اجل قيام دولتها نفذت القوات الصهيونية عشرات المجازر، ومحت حوالي 400 قرية فلسطينية عن الوجود، وشردت حوالي مليون فلسطيني من أرضهم وديارهم، وضمن ذلك نفذت مجازر كبيرة منها مجازر دير ياسين واللد والطنطورة (1948)، وبعد ذلك استمرت في هذا الاتجاه حيث نفذت مجازر في كفر قاسم (1986)، ومدرسة بحر البقر ومصنع ابو زعبل في مصر، وقانا في لبنان (1996).

كاتب فلسطيني