الألمان دون سن العشرين لديهم نقص مروع في معرفة تاريخ القرن العشرين. ففي حين يعرفون جميعاً هتلر فإن أقل من 10% منهم يعرفون وزير الدعاية النازي جوزيف جوبلز وغيره من قادة النازية، وفيما عدا قلة قليلة من الطلاب فإن تعبيرات مثل أزمة إقليم «السوديتن» الألماني الذي كان الشرارة التي أشعلت الحرب العالمية الثانية، أو «معركة ستالينجراد» التي أبلى فيها الجيش الألماني بلاء حسنا، كانت غير معروفة للجميع.
هذا ما أظهرته استطلاعات حديثة نشرت مؤخراً، لذلك تستعد السلطات التعليمية في برلين لطرح أعمال هزلية عن هتلر ضمن المنهج الدراسي التكميلي، وذلك عقب صدور دراسات أثبتت أن جيلا بأكمله من الأطفال الألمان وُلِد فيما بعد إعادة توحيد شطري البلاد لا يعرف الكثير عن تاريخ أمته.
الأعمال الهزلية التي تنوي السلطات التعليمية إصدارها ترصد صعود هتلر وانحدار ألمانيا النازية إلى الهمجية من خلال عيون (أسرة يهودية) تستغل الانترنت في عملية البحث عن أقاربها المفقودين ضحايا المحارق اليهودية (الهولوكست) وتستخدم رسوما توضيحية ملونة تظهر هتلر ورجاله، مصورة فظائع الحرب وغرف الغاز.
الكتاب الهزلي الذي صدر تحت عنوان «البحث» هو أول محاولة لاستخدام رواية مصورة كعامل مساعد في تدريس التاريخ بألمانيا. ويتم تجريب الأعمال الكوميدية في المدارس العامة ببرلين وولاية نورث راين - فستفاليا خلال الفصل الدراسي لربيع عام 2008م.
وسيتسلم الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين السابعة والعاشرة الرواية المصورة لاستخدامها كوسيلة تعليمية مساعدة كُشِف النقاب عنها في الذكرى السنوية الخامسة والسبعين لتولي هتلر منصب المستشار ورئيس الدولة.
لا غرابة أن يحدث هذا في ألمانيا، حيث ما زالت وستبقى عقدة اضطهاد اليهود وقصة (المحرقة) تسيطر على عقول الألمان وترهبهم، ولكن ما الذي يضطر رئيسا مثل نيكولا ساركوزي إلى الإعلان عن أنه ينوي أن يفرض في المدارس الابتدائية الفرنسية على كل تلميذ أن يتكفل بذاكرة أحد الأطفال اليهود الذين أبادتهم النازية خلال الحرب العالمية الثانية والبالغ عددهم 11 ألف طفل؟
هل يحاول ساركوزي أن يبدي اهتمامه بالأطفال اليهود ضحايا النازية ليحقق منفعة انتخابية مع اقتراب موعد الانتخابات المحلية كما تتساءل «أرليت لاغيي» الناطقة باسم حزب الكفاح العمالي الفرنسي؟ ربما، ولكن ألا يحق لنا أن نتساءل كما تساءلت هي أيضا: وهل الأطفال الفيتناميون والجزائريون الذي قصفوا بالقنابل أو بالنابالم خلال الحروب الاستعمارية، وجميع الأطفال الذين اغتالتهم الإمبريالية الفرنسية أقل جدارة من غيرهم بحفظ ذاكرتهم؟.
إعلان ساركوزي هذا أثار موجة من الغضب في أوساط البرلمانيين والأحزاب السياسية والاتحادات الفرنسية المناهضة للعنصرية، والمؤرخين والمثقفين الفرنسيين، حيث وصفت تلك الأطراف سلوك ساركوزي بـ »الانتقائي» ونعته البعض بـ «الفضيحة».
لكن الانتقاد الأشد لساركوزي جاء من الشخصية السياسية الفرنسية اليهودية سيمون فيل، وهي واحدة من الناجيات من الهولوكست. فقد قالت الرئيسة السابقة للبرلمان الأوروبي التي عانت ذاتها من المحرقة وفقدت العديد من أفراد أسرتها خلال الحرب العالمية الثانية: لقد تجمد الدم في عروقي في لحظة.
وأضافت: هذا أمر لا يطاق ودراماتيكي وقبل كل شيء ظالم. فكيف يتسنى لك أن تطلب مثل هذا الأمر من طفل في العاشرة من عمره؟ وأردفت: إنه من المستحيل كذلك أن تتوقع من طفل مسلم أن يتشابه رد فعله مع رد فعل نظيره اليهودي.
أما ساركوزي فقد مضى غير آبهٍ بكل أصوات المعارضة، وبدا مصرا على موقفه وهو يقول: أشدِّد على أن دور رئيس الجمهورية هو أيضا الحديث عن المحرقة والسمو بالمدرسة، معتبرا أن التحسيس بتراجيديا المحرقة اليهودية يشكل أحد السبل المجسدة له. وكان واضحا خلال الكلمة التي ألقاها أمام أعيان الجالية اليهودية الفرنسية حين قال: (يجب على كل طفل في التعليم الابتدائي معرفة وجود طفل مات في المحرقة اليهودية).
هذا في الوقت الذي لا تزال فيه فرنسا ترفض الاعتذار للجزائر عن فترة احتلالها لها التي امتدت 130 عاما، مارست خلالها كل أشكال التدمير والتغريب ونزع الهوية!
أما في أميركا، حيث يلعب اللوبي اليهودي دورا مؤثرا في توجيه السياسة الأميركية، فتتبنى صحيفة (نيويورك جويش) الأسبوعية، أكبر الصحف اليهودية في الولايات المتحدة الأميركية، مشروع «أكتب لأجل إسرائيل» الذي يهدف إلى تعليم طلاب المدارس الثانوية والجامعات حقائق الصراع الحالي في الشرق الأوسط، ومنحهم المعرفة التاريخية ومهارات الاتصال لجعل قضية إسرائيل فعالة، وليغرس فيهم الثقة الأخلاقية كي يصبحوا محامين فخورين عندما يذهبون إلى الكلية.
يُمول المشروع من قبل The AVI CHAI Foundation وهي مؤسسة خاصة تأسست عام 1984 على يد زلمان سي برنستين الذي تعهد بـ «تخليد الشعب اليهودي والديانة اليهودية ومركزية دولة إسرائيل إلى الشعب اليهودي». ويستهدف خلق مجموعة من المؤهلين للعمل في الصحافة أو وسائل الإعلام بصفة عامة.
وذلك في إطار الدفاع المنظم عن إسرائيل وسياساتها داخل المجتمع الأميركي، ويقوم بالتدريس فيه مجموعة متنوعة من المحاضرين الذين تغلب عليهم صفة التأييد لإسرائيل وسياساتها. وقد أصدر المشروع دليلا لتعليم الشباب الأميركي كيف يدافع عن إسرائيل، كُتِب على غلافه: «العاطفة وحدها لا تكفي، ولكن لا بد من معرفة الحقائق».
هذه الخطوات التي تتخذها دول مثل ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية تدعونا إلى التساؤل عن سر الحظوة التي يتمتع بها اليهود في أكبر مناطق النفوذ والقوة في العالم، ومدى قدرتهم على التأثير في أصحاب القرار، إذ ليس من المعقول أن تتخذ هذه الدول قرارات كهذه لمجرد إحساسها بالذنب تجاه (شعب الله المختار).
لذلك نحن مطالبون بالبحث عن سر الهجمات التي نتعرض لها، ليس كعرب فقط، وإنما كمسلمين يُقتّل أطفالنا، ويُساء إلى رموزنا، وتُسخَّف معتقداتنا، ويشوَّه تاريخنا، وتُلحَق بنا كل رذيلة ومنقصة، دون أن نجد من يشعر بالذنب تجاهنا، أو يتحمس للدفاع عنا، أو يسعى إلى إحياء تاريخ أمته وإزالة أمية أفراد مجتمعه عن طريق تدريس ما حل بنا في بعض مراحل التاريخ كالذي تعرض له المسلمون الأندلسيون على يد الأسبان بعد سقوط غرناطة عام 1492م على سبيل المثال.
ولن نذهب بعيدا لننقب في دفاتر التاريخ وخرائط الجغرافيا، فربما وجد البعض في التاريخ ثغرات يمكن النفاذ منها إلى مغالطات، لكننا ندعو السلطات التعليمية في ألمانيا التي تسعى لإزالة أمية أطفالها التاريخية إلى تضمين القصص التي ستكتبها عن ضحايا الهولوكست قصة واحدة عن ضحايا المجازر التي يتعرض لها أطفال فلسطين على يد الناجين من المحرقة وغرف الغاز حسب زعمهم.
أما الرئيس الفرنسي الذي ينوي أن يفرض على طلبة فرنسا أن يتكفلوا بذاكرة 11 ألف طفل يهودي أبادتهم النازية - على حد قوله - خلال الحرب العالمية الثانية، فنتمنى عليه لو ضم إليهم ذاكرة 11 طفلا فلسطينيا فقط من أمثال محمد الدرة وفارس عودة وإيمان حجو وحنين أبو سليمان وغيرهم ممن أبادهم الرصاص اليهودي وسحقتهم دبابات أبناء وأحفاد ضحايا المحرقة أمام سمع العالم وبصره، وسجلت كاميرات التلفزيون مشاهد إبادتهم كي تحفظها ذاكرة أولئك الذين لا تتسع ذاكرتهم الانتقائية إلا لما يتفق مع أهوائهم ويخدم مصالحهم.
ما أقسى الذاكرة حينما تكون ظالمة لا ترى إلا بعين واحدة، ولا تركز إلا على جانب واحد من الصورة، وتغض النظر عن جوانب كثيرة، فيها من الحقائق ما يمكن أن يقلب المعادلة كلها، ويضع الأمور في نصابها، ويحفظ لكل ذي حق حقه في أخذ فرصته والدفاع عن نفسه.
كاتب إماراتي
