خلال نصف قرن يصعب تقويم الأوضاع العربية التي لا تزال تعيش قلقاً متواصلاً على مصيرها وقد ينافي خططها السياسية والاقتصادية، وفتح الخيارات على خلق فرص متساوية بين أعضاء المجتمع الواحد..

فالأزمات السياسية لم تؤهَّل الجامعة العربية لحلها والخروج منها، لأن الأعضاء لا يساعدون على قبولها وسيطاً فاعلاً، وهذا ما أضعف دورها، وهنا جاءت المملكة ومصر والأردن لتأخذ دورها مع وجود ضغوط متناهية معتبرة أن أي جهد تقوم به زعامات هذه الدول هو رسائل موجهة من أمريكا، وهذا القناع الذي جعل من أمريكا شبحاً يسكن أدمغتنا، ودورة دمائنا عقدة راسخة، مع أن التعامل مع هذه الدولة لا يأتي دائماً متطابقاً، بل وأحياناً متقاطعاً إلى حدود ساخنة وصعبة..

الرئيس حسني مبارك غالباً ما يتبادل الزيارات والبعوث بين مصر والمملكة، وعندما نطق مسؤول أمريكي بالتعاون مع الدول المعتدلة في المنطقة ومنها الدولتان اعتبرت تهمة، وإذا كان الاعتدال جاء مضاداً للتطرف فنحن معتدلون بطبيعتنا ولا نخجل من ذلك، لكن مواقفنا بقيت ثابتة ومتوازنة سواء تجاه القضية الفلسطينية، أو العراق، ولبنان، وجبهات أخرى تعاني نفس المآسي مثل الصومال ودول إسلامية أخرى..

وإذا كانت زيارة الرئيس المصري للرياض درجنا على تعريفها بالتعاون المستمر، ليس لإلغاء مشاكل بين البلدين، وإنما محاولة أن لا تنزلق دول أخرى إلى تقاتل أصحاب البيت الواحد عندما هيأت دول عربية وأجنبية إغراق هذا الوطن بالحروب، بعد أن أنهى مسلسل الانقلابات، وبعث حالات التطرف بدلاً من التنسيق والتغلب على الاحتقان الطائفي، والقومي والحروب بالنيابة، وتفعيل الدور العربي كواجهة في التغلب على تلك المصاعب..

كلنا يدرك أن المملكة ومصر هما من يقود السفينة العربية ومحاولة إنقاذها من الغرق، ولولا قدرة زعامة البلدين على التمسك بقناعاتهما، وإدراك أن المسؤولية مناصفة، ومن المستحيل التخلي عن الأوضاع العربية، لكان باستطاعتهما الابتعاد عن مواقع الخطر، وحتى الزلازل وتوابعها التي عاشت عليها بعض الدول بمحاولة تهميش أي جهد للبلدين، إذ لم يعد الاتهام بالولاء للأنظمة الأجنبية، الصورة الزاهية بتحريض الشارع على الانفلات، أو جعل صوت المذيع، وقلم الكاتب وسائل تحريك للمشاعر، بوجود وتوفر المعلومة من مصادر مختلفة، وقدرة المواطن على الفرز بين ما هو موضوعي وفكر مشوش..

بؤر الصراع تتسع، والعالم يعيد تشكيل قواه على مبدأ المنافسة العلمية والاقتصادية لكن حالات الإعاقة العربية، وتكريس الفرقة واتساع دوائر الخلافات، قضايا لا يمكن التغلب عليها بحسن النوايا، وإنما بالمكاشفة الصادقة، وهذا ما تحاول وضعه على لائحة الأولويات كل من قيادة الملك عبدالله والرئيس حسني مبارك، عندما يتوجهان على مدار الساعة بتوظيف كل الإمكانات بجعل النوافذ مشرعة بين العواصم العربية، ومع ذلك فهناك عامل الرهان على الصبر والحكمة في إدارة الصراعات باتجاه الحلول والانفراج، وإلا كيف تستضيف العاصمتان الرياض والقاهرة العديد من الوفود، حتى مَن يَعتبرون قضاياهم مستقلة لا يجوز أن يتدخل فيها أي طرف، يجدون في دفء البلدين واستقبالهما صورة الدولة المسؤولة، ومن هذه الأسباب نرى أن هذه الأمة لن تكون ضحية تقلبات قيادات دينية أو حزبية، أو حتى حكومية عندما تفصل بين ما هو حق وباطل..