لطالما سألت نفسي إن كان أبناؤنا سعداء حقاً بما نمنحهم من حب ورعاية وبما نؤمنه لهم من إمكانات ووسائل تعليم وترفيه يتمنى أطفال كثيرون جزءاً مما لديهم.
استوقفني في أحد المستشفيات أكثر من مشهد، مع واحد منها ألح السؤال ذاته عليّ بشكل كبير.
كان المشهد ذلك لزوجين شابين معهما خادمتهما تحمل طفلتهما الجميلة ذات الثمانية أشهر تقريباً وبيدها الثانية تحمل حقيبة الطفلة الأنيقة.
الصغيرة كانت تشكو حمى على ما يبدو ووالداها معها رافقاها لمستشفى خاص، فاتورة العلاج فيه بالشيء الفلاني، لكن ما فائدة كل ذلك وهي محرومة من أبسط ما يسعد الصغار وهو حضن الوالدين، كانت المسكينة طوال الوقت في حجر الخادمة حتى عندما كانت تبكي يداعبانها عن بعد من غير ملامستهما وكأنها مصابة بجرب، تمنيت أكثر من مرة لو قمت من مكاني لأخبر والديها عما يقترفانه بحق صغيرتهما، وأطلب من أمها أن تتولى هي حمل طفلتها تحتضنها في حب، فلعل أنفاسها وملامسة خديها كانتا علاجاً طبيعياً لطفلتها ساهم في التخفيف عنها.
زاد ألمي وأنا أشاهد آباء وأمهات عرباً وآسيويين يحملون أطفالهم المرضى مهما كان عددهم، يعتنون بهم ويراعونهم بلا خدم من منطلق أن تلك من مسؤولياتهم، لكن ما خفف من حزني رؤية زوجين مواطنين آخرين برفقة طفلتهما التي كانت في حضن أبيها على الرغم من مرضها تداعب وجه أبيها فيرد عليها بقبلات لا شك أنها كانت بلسماً لها في مرضها، فاعتبرت ما رأيت في البداية حالة لا يجوز تعميمها.
في عيادة أخرى ذكرت لي طبيبة صديقة عن أم دأبت إرسال ابنتها المريضة لتلقي العلاج مع خادمتها، وفي كل مرة تقول كنت أطلب من الخادمة أن تذكر «للمدام» أني أرغب برؤيتها هي مع طفلتها المريضة، ولكن لا جديد، وعندما جاءتني في إحدى المرات رفضت علاج الصغيرة إلا في حضور أمها.
وبالفعل جاءت الأم، وكانت المفاجأة أنها لا تعلم شيئاً عن الأعراض المرضية التي ألمت بابنتها فكل سؤال عن حالتها كان الجواب لدى الخادمة، فاضطررت لشرح الوصفة الطبية لها لقناعتي أن الأم لن تفعل شيئاً، بل ربما لا تلمس صغيرتها التي وجدت حضناً بديلاً لحضنها.
مثل تلك الحالة لفتت نظري طفلة صغيرة في قمة الأناقة كانت تجلس مع فتاة آسيوية في مطعم في أحد ملاهي الأطفال، كانت خادمتها على الرغم من علامات الرفاهية التي بدت على مظهرها وهاتفها النقال وحقيبة يدها التي أخرجت منها مبلغاً كبيراً لتدفع حساب الوجبات التي طلبتها.
جلست الخادمة تطعم الصغيرة وتعتني بها ومن على طاولتها تعرفت على أحد من أبناء جلدتها وتبادلا أرقام الهواتف، ودخلت معه في حديث مطول نسيت الطفلة على جانبها، تركنا المكان وهما على ذلك الحال.
وتساؤل آخر فرض نفسه ترى هل وصل بنا الحال لدرجة أصبحنا معها عاجزين عن متابعة صغارنا في لحظات فرحهم وابتهاجهم كما نحن مع آلامهم ومعاناتهم، حالات قليلة ولا شك لكنها موجودة ومؤلمة.
