تبقى مهنة الطب من المهن ذات الأهمية الكبرى، ويبقى الالتحاق بهذا التخصص مطلباً ذا أهمية أكبر بالنسبة لدولة الإمارات خاصة وان الدولة مازالت تتعطش لأطباء مواطنين يتواجدون في مختلف التخصصات التي مازالت تعتمد فيها على الخبرات العربية والأجنبية التي قدمت ومازالت تقدم الكثير.
وعلى الرغم من هذه الأهمية الكبرى لهذه المهنة إلا أن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها في هذا المجال، وهي حقيقة المشقات التي يواجهها الطبيب منذ التحاقه بكلية الطب، فالطبيب بعد سنوات الدراسة الطويلة وانضمامه لفريق الأطباء، يواجه مشقات وصعوبات أخرى.
فإلى جانب حاجته إلى الاستزادة من كل جديد في تخصصه لتطوير أدائه وزيادة رصيد خبراته، وإلى جانب الضغوط التي يواجهها بسبب الشق الإنساني أو نظام العمل وساعاته، الأمر الذي يجعل الأطباء يطالبون دائماً بتحديث الأنظمة ومراجعتها بين وقت وآخر لتخفيف حدة هذه المشقات التي يواجهونها لكيلا يتخذون قراراً بترك المهنة والتسبب في تراجع أعداد العاملين فيها من المواطنين.
مناسبة حديثنا هذا رسالة وصلتنا من طبيبة مواطنة، تخرجت عام 1998 من جامعة الكويت، عملت بعد التخرج في هيئة الصحة بدبي. تزوجت وأنجبت أطفالاً لكن ذلك لم يمنعها من إكمال دراستها والحصول على شهادة الزمالة البريطانية بقسميها الأول والثاني. واجهت أثناء عملها صعوبات كان أبرزها نظام المناوبات الليلية، وعدم حصولها على ترقية، الأمر الذي اضطرها إلى الاستقالة.
لم تقف طموحاتها المهنية عند ورقة الاستقالة، فقد قررت منذ خمس سنوات مضت فتح عيادة خاصة بها، وهي تحقق نجاحاً فيها لكن مشكلتها تكمن في أن العمل في العيادة الخاصة إداري أكثر منه طبي، ناهيك عن الحالات التي تعالجها والتي لا تصل إلى عدد الحالات التي كان يتيحها العمل في القطاع الصحي الحكومي، وهو الأمر الذي يحد من حجم الخبرة التي تتطلع إليها.
لذا فقد اتخذت قراراً بالعودة للعمل في المستشفيات الحكومية. قدمت أوراقها إلى وزارة الصحة وإلى هيئة الصحة بدبي فرفض طلبها. حاولت الالتحاق بجهة أخرى شبه حكومية ووجدت الرفض أيضاً دون أسباب منطقية خاصة وان هذه الجهات مازالت تطلب أطباء للعمل في مختلف التخصصات، الأمر الذي أبقى الطبيبة في حيرة من أمرها.
ليست الطبيبة وحدها في حيرة من أمرها، إذ إن الحيرة تملكتنا أيضاً، فمن يسمع شكواها يعتقد أنها في دولة اكتفت بالأطباء من أبنائها، فلم تعد قادرة على استقطاب المزيد منهم للعمل فيها، لكن واقع الحال يثبت إن صح ما تقول هذه الطبيبة وغيرها أن بعض المؤسسات الحكومية للأسف لا تتمسك بأطبائها، والأكثر أنها تكون أحياناً سبباً في إهدار الطاقات المواطنة التي يفترض أن تستفيد منها الدولة.
هل فكر المسؤولون قبل رفض طلبها في النفقات التي تحملتها الدولة أثناء فترة ابتعاثها؟ وفي التكلفة التشغيلية لها مقابل الجنسيات الأخرى؟ وهل فكروا في الترحيب الذي كانت ستلقاه لو أنها قررت العمل في مستشفيات أوروبية تقيم وزناً للأطباء فتجزل لهم في الرواتب والحوافز؟
ربما عانت الطبيبة في فترة سابقة من ضغوطات العمل لاسيما بعد إنجابها عدداً من الأطفال، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون سبباً لإقفال الأبواب في وجهها عندما تحسنت ظروفها وأعلنت رغبتها في العودة للعمل في القطاع الحكومي.
هل يطلعنا المسؤولون على أسباب مواقفهم هذه من الأطباء المواطنين، أم أن المسؤولين أنفسهم لا يدركونها لأنهم اسلموا القرارات لمن لا يهمهم إن بقي لدينا أطباء مواطنون أم لم يبق لدينا؟ الدولة وصلت إلى مرحلة متقدمة ينبغي على المسؤولين فيها أن يتجاوزوا قضايا من شأنها الإهدار بالطاقات المواطنة الشابة، وعرقلة الطموح الذي أصبحت القيادات العليا تصر على أنه لا مكان في الدولة لغير الطموحين.
