رغم الحديث المتزايد عن وجود اصطفاف غير مسبوق بين من يسمونهم بقوى الاعتدال العربي وبين ما بات يطلق عليه بالمحور الإيراني السوري، لا يزال العقل العربي الجمعي والفردي أحيانا فعالا ويلعب دورا مهما في إرسال إشارات ايجابية إلى الرأيين العام العربي والإيراني.

زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي إلى إيران ومنها إلى سوريا قبل أيام جاءت في هذا الاتجاه العقلاني الملفت والذي يستحق التأمل والكثير من التدقيق!

من يعرف قصة سوء التفاهم الطويلة زمنيا بين أبوظبي وطهران حول قضية الجزر من جهة والشحن الاستعماري الموجه للنيل من تعايش الجوار العربي الإيراني من جهة أخرى، وكذلك من يعرف الأجواء المشحونة حول الموقف السوري من الملف اللبناني، والوضع اللبناني الداخلي شبه المتفجر والمتهمة به سوريا يستطيع أن يكتشف أهمية مثل هذه الخطوة في هذه اللحظة بالذات!

أيا كانت المهمة التي تصدى لها المسؤول الإماراتي الكبير، فسواء كانت وساطة بين المعسكرين الآنفي الذكر كما قيل أو نقل رسالة معينة إلى كلتا العاصمتين، أو إرسال رسائل ايجابية إلى قادة البلدين في إطار استمالتهم إلى نقطة ما في وسط الطريق بين الجناحين المشار إليهما أعلاه.

فإن القدر المتيقن الذي يجب أن يخرج منه المحلل العاقل هو أن الإمارات أرادت وربما نجحت في التخفيف كثيرا من حدة الاستقطاب سواء الكاذب والوهمي أو الاصطناعي منه والذي عمل عليه أعداء الأمة كثيرا، أو ذاك الواقعي الناتج عن اختلاف حقيقي في قراءة الأحداث من قبل الجانبين.

وهذا يعتبر انجازا مهما في كل الأحوال سيترك أثره على سياسات البلدين المعنيين في الزيارة واللذين لابد لهما أن يردا التحية بأحسن منها مهما كانت قراءاتهما للوقائع والأحداث. أقول هذا وأنا مطمئن لهذه النتيجة. أولا لطبيعة العلاقات الإنسانية بين البشر وثانيا للتجربة الطويلة المتراكمة في هذا النوع من الجهد الإنساني، وثالثا للمعلومات التي تسربت عقب اللقاءات .

والتي تفيد بشكل مؤكد لا يقبل الشك أو الترديد، بأن المهمة كللت بالنجاح فالمسؤول الإماراتي الكبير أكد أن لا مصلحة مطلقا لدولة الإمارات العربية الشقيقة في أي حشد عدائي ضد الجارة إيران، بل العكس تماما فإن مصلحة الإمارات تكمن في تعزيز المشتركات.

وما أكثرها وتجسير الثقة وما أحوج الطرفين لها وفي منع حصول أي توتر أو تشنج فضلا عن حرب جديدة وما اكرهها وأشدها ضررا على جميع سكان الإقليم المتآخي والمتكامل اقتصاديا والمحتاج لبعضه البعض كما تفترض كل مقومات مشاريع التنمية الشاملة والمتوازنة.

وكذلك الأمر بالنسبة لإعادة تفعيل التضامن العربي ـ العربي حيث تفيد المعلومات المتوفرة بأن المسؤول الإماراتي الكبير في طريقه إلى النجاح في مهمته بالقدر الكافي بما يضمن عقد قمة عربية بالحد الأدنى من الشروط التضامنية وهي أجواء قطعا ستفيد في مجال اجتراح الحلول الممكنة للبنان الشقيق .

وهو عمل سيكون أفضل بكثير من التخندق عند الحدود القصوى من شروط التفاهم والتمترس عندها حتى لو أدى ذلك لا سمح الله إلى إشعال فتيل حرب أهلية جديدة في لبنان كما يحاول البعض في الإقليم وفي المعادلة الدولية، وهو لعب بالنار خطير قد يحرق الأخضر واليابس.

مستقبل العراق الجريح والمستباح وفلسطين المكلومة والمظلومة على امتداد التاريخ العربي الحديث. هي الأخرى لم تكن بعيدة عن المحادثات ومحاولات البحث عما هو متيسر من حلول توافقية متاحة في الأفق لإبعاد شبح حروب الإبادة الجماعية التي تخطط لها دولة الإرهاب الصهيوني.

اعرف أن هذا ليس كافيا وان المطلوب أكثر بكثير لمن يبحث عن الحلول الثورية وأنا منهم، ولكن مجرد أن يحرص المسؤولون في بلادنا عل طريق الحوار والمكاشفة والتشاور الدائم والخروج على اللغة الخشبية والبروتوكولية فيما بينهم ويبدأون بالتزاور السلس والسهل وفتح الملفات من دون تعقيدات ويكلمون بعضهم بعضا بلغة شفافة حتى وهم مختلفون أو حتى وهم متنازعون لا سمح الله.

فإن هذا المنهاج بشارة خير للمنطقة كلها لأنه دليل على انتصار العقل والمحاسبة والدراية والحكمة على العاطفة والأحاسيس والحماس والغيرة والهمة والحمية المطلوبة بدورها جميعا ولكن بوجه العدو الخارجي الذي يسعى للفتنة والخراب وتهييج النزاعات وإشعال الحروب العبثية وتجربة الماضي القريب أكبر برهان!

لا معنى لدولة كبيرة وأخرى صغيرة في الحجم والجغرافيا أو بأي مقياس آخر عندما تكون الأمة في خطر، ولا معنى لمقولات من نوع العصبية القبلية أو الفئوية أو المذهبية أو الطائفية أو الدينية أو القومية أو المصالح العليا القومية لهذا البلد الصديق والجار .

أو ذاك تجاه جيرانه وأهله أو المشتركين معه في المصالح الاقتصادية المتشابكة عندما يكون التحدي كبيرا وكبيرا جدا ومن نوع الوجود والبقاء المشترك أو الهدم والدمار الشامل لا سمح الله خاصة ونحن في مركب واحد لا بديل لنا إلا ترميم كل الثقوب والعيوب والمثالب أيا كان الثمن حيث يكون الموقف إما أن نستمر معا أو نغرق سويا!

من هنا وفي هذا السياق ينبغي رؤية وتحليل وقراءة خطوة سمو الشيخ محمد بن راشد تجاه كلا من إيران وسوريا أيا كان موقفنا من المبدئي تجاه الحرب والسلام مع إسرائيل أو الحرب والسلام مع أميركا. لقد تلقف المسؤول الإماراتي الرسالة الإيرانية المطمئنة بخصوص النووي الإيراني بكل حنكة وسعة صدر.

ولابد انه سينقلها إلى العالم الخارجي بكل أمانة. كما استمع المسؤول الإيراني إلى الملاحظات الإماراتية والخليجية والعربية بالتأكيد التي حملها جاره الإماراتي بكل الانفتاح والحكمة والدراية والمداراة المعروفة عنه، ولابد أن ينتج من مثل هذه المفاتحات والمكاشفات ما يمنع الاستقطاب الحاد الكاذب والوهمي والاصطناعي المفروض على المنطقة.

لاسيما بين العرب والإيرانيين ومن جهة أولى بين العرب والعرب، وكذلك ما يخفف من حدة التوتر والتشنج والعداء المصطنع الذي يحاول الأعداء الخارجيون الترويج له بين الأشقاء والأخوة والجيران، وهذا هو عين المطلوب من الساسة والنخب الموالين منهم والمعارضين في هذه اللحظة التاريخية المصيرية التي تمر بها الأمة.

اعرف ان كلامي هذا قد لا يعجب البعض، وقد يعتبره آخرون تملقا لهذا الحاكم أو ذاك، وقد يعتبره ثالث خروجا على مبادئ ثورية كنت وما أزال أومن بها في ضرورة نصرة المقاومة باعتبارها السبيل الوحيد والناجع وحده لحل النزاع الوجودي مع عدو الأمة والدين أي الكيان الصهيوني الغاصب، ولكن هذا شيء وهذا شيء، والإشادة بكل خطوة عاقلة على طريق التخفيف من آلام الأمة.

ودعم أي خطوة للتلاقي بين أهل البيت العربي والإسلامي الواحد ما دام غير مفرط بأي من الثوابت الأنفة الذكر ليس فقط أمرا محمودا بل واجبا على كل مسلم ومسلمة وكل إنسان حر شريف، خاصة وان المقاومة العربية والإسلامية واللبنانية بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى.

إلى الشعر الفلسطيني القديم الذي رفعته حركة التحرر الوطني الفلسطيني فتح: كل البنادق نحو العدو... والذي اعتقد انه مازال يصلح لها بل هي أحوج ما تكون إليه الآن وهو يصلح كذلك للمقاومة الإسلامية في لبنان وحزبها القائد حزب الله!

كاتب إيراني