اليوم تدخل كوبا فعلياً عهداً جديداً باختيار القائد الأعلى الجديد لمجلس الدولة، بعد أن أعلن الثوري العجوز فيدل كاسترو التنحي عن السلطة «باختياره» والانسحاب «بكرامة» من قمة المشهد السياسي التي اعتلاها نحو نصف قرن جعلته القائد الوحيد الذي عرفه نحو 70% من الكوبيين الذين ولدوا في عهده.
خطوة كاسترو قد يعتبرها البعض تحصيل حاصل في ضوء ترشيح أخيه راوول لخلافته، وهو الشخص الذي رافق رحلته الطويلة منذ بدء الأحلام الثورية بالقضاء على نظام باتستا الفاسد، وما تلاها من مواجهات عنيفة مع الولايات المتحدة التي ضربت حصارا خانقا على كوبا، الجزيرة التي شكلت على الدوام شوكة في خاصرتها.
العديد من المحللين يعتقدون أن بقاء كاسترو في السلطة كل هذه السنوات الطويلة، مكنه من ترسيخ سطوة الحزب الشيوعي، والجيش اللذين يمثلان القوة الحقيقية القابضة على السلطة، في ضوء هشاشة المعارضة الكوبية خاصة أولئك القابعين في أرض الأحلام الأميركية، والذين مني آباؤهم بفشل زريع في خليج الخنازير في مطلع الستينيات من القرن الماضي.
ورغم ذلك فإن تواري كاسترو عن صدارة المشهد لابد وان يكون له تأثيره، على الكوبيين الذين اعتادوا على وجود فيدل أو القائد، الذي يخوض بهم المعارك في وجه «الامبريالية» الأميركية التي لم يمل عشرة من رؤسائها الذين عاصرهم كاسترو، عن محاولات خنق الجزيرة المتمردة، وإدخالها بيت الطاعة، بوسائل استخباراتية مشبوهة، أو عبر أطول حصار اقتصادي تعانيه دولة في التاريخ الحديث.
قد يداعب رحيل كاسترو عن المسرح في كوبا أحلام الغرب والأميركيين تحديدا في رؤية بديل «ديمقراطي» في الظاهر و«تابع» في الواقع، غير أن الأحلام التي فشل عشرة رؤساء أميركيين في تحقيقها على مدى نصف قرن، رغم كل الألاعيب القذرة ليس من السهل تحقيقها في جزيرة باتت تحمل مصلا مضادا، وان عانى الكثير من أبنائها شظف العيش.
لقد داعبت الأحلام أو قل الأوهام الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي، بعد أن أقنعه مستشارو السوء في مطلع الستينات أن الوقت قد حان لإسقاط كاسترو، وان الكوبيين باتوا مستعدين للانقضاض على الثوري العنيد.
فدفع بنحو 1400 مناهض للنظام الكوبي الوليد إلى خليج الخنازير الواقع في الجزء الشمالي الغربي من كوبا، بدعم غير مباشر من وكالة الاستخبارات الأميركية، فكانت الفضيحة، واستسلام المهاجمين في مشهد جلب الخزي لرئيس الولايات المتحدة وجعله أضحوكة في نظر العالم.
ربما يتمنى البعض ليس من داخل الولايات المتحدة وحدها، بل ومن بين أولئك الذين رأوا في كاسترو قائدا صلبا سعى للحفاظ على كرامة بلاده، رؤية كوبا مختلفة ولكن بالقطع ليس على المقاس الأميركي، وإنما بما يتلاءم مع عالم اليوم الذي انتقل من عهد القطبية الثنائية إلى زمن القطب الواحد.
لقد اعترف كاسترو بعد سنوات طويلة من النضج السياسي، انه كان ساذجا في أزمة منصات الصواريخ السوفييتية التي كادت تشعل حربا نووية بين الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت وأميركا في عام 1962، عندما بعث إلى الزعيم السوفييتي خروشوف يطالبه بضرب الولايات المتحدة بالصواريخ النووية إذا حاولت الاعتداء على كوبا، غير مدرك للمخاطر وان اللاعبين الكبار ليس لديهم الاستعداد للوصول إلى هذا الحد من العبث بمستقبل العالم.
اليوم ما أحوج كوبا إلى الاستفادة من النضج السياسي لنقل البلاد إلى عهد جديد يضمن الانتقال الهادئ للسلطة ليس إلى راوول كاسترو الذي تجاوز منتصف السبعينات من عمره بل إلى أجيال احدث سنا يمكنها التعامل مع التحديات التي تفرض على كوبا وعلى كافة الفقراء من دول العالم الثالث.