في الطريق إلى القمة العربية القادمة في دمشق، تبقى القمة العربية في الخرطوم عام 1967 نموذجا يجب أن يحتذى باعتبارها واحدة من أعظم المحطات القومية في مسيرة القمم العربية، ودليلاً على قدرة القيادات العربية على مستوى القمة حين تكون مسلحة بإرادة شعوبها على تحويل الهزائم العسكرية إلى انتصارات سياسية والإعداد لمعركة قادمة لتحقيق الانتصارات العسكرية.
وأعظم ما فيها أن انعقادها في مثل تلك الأيام الثقيلة بآلامها في ظل الهزيمة الثقيلة بخسائرها وتحت الظلام الحالك في الرؤية، وفى ظلال بقايا الانقسام السياسي العربي، كانت أعظم استجابة لأعظم تحد، لكن كما تقاس الأمم الحية والشعوب الحرة بقدرتها على الصمود والقبول بالتحدي والقدرة على دفع ثمن الحرية وضريبة الكرامة الوطنية، تقاس معادن وحكمة القيادات السياسية بقدر رؤيتها العابرة للحدود.
وقدرتها على الارتفاع فوق الخلافات والحساسيات الصغرى إلى مستوى القضايا الكبرى، ومن الصغائر إلى مستوى الكبائر، وتجاوز الفرعي إلى الأصلي، والفردي إلى الجماعي، والشكلي إلى الموضوعي، وتغليب الوطني على الحزبي، والقومي على الوطني، والمبدأي على المصلحي، بهدف توسيع دائرة حشد القوة حول الأهداف المشتركة.
وربما كان مؤتمر الخرطوم أوضح تطبيق لهذه الشروط الشعبية والرسمية معا، فلقد كان صمود الشعب العربي وقراره برفض القبول بالهزيمة وإصراره على القبول بالتحدي، برغم كل أسباب اليأس، وكان تعبير القيادات العربية عن إرادة هذا الشعب ، برغم حسابات سياسية معقدة وأعباء اقتصادية باهظة، ومخاطر عسكرية كبيرة هو مفتاح الصمود، وبوابة القدرة على التصدي والردع وصولا إلى ساحة النصر عام 73.
كان القادة العرب على مستوى القمة بالمشاركة لا الهروب، وبالارتفاع على الخلافات إلى أعلى المستويات، وبتجاوز واقع الهزيمة ورفض القبول بالاستسلام، والإصرار على الحقوق، والعزم على الصمود، والاستعداد للمعركة التالية برغم أية تضحيات، فجاء قرارهم الخالد بلاءاته الثلاث الحاسمة (لا صلح مع العدو، ولا اعتراف بما استولت عليه إسرائيل بالعدوان من الأراضي العربية، ولا تنازل عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني).
وكانت أعظم استجابات الشعب العربي لهذا التحدي العظيم هي ما عبر عنه الشعب السوداني الشقيق من مشاعر حارة بحرارة الدم السوداني و خروجه عن بكرة أبيه لاستقبال القادة العرب وخاصة جمال عبد الناصر والملك فيصل اللذين مثلا عماد العمل العربي المشترك للصمود العربي، الأمر الذي أحبط الغربيين والصهاينة، وكان أعقد ما استعصى على فهمهم هو، كيف يستقبل الشعب العربي عبد الناصر استقبال الأبطال وهو القائد المهزوم ؟!
لقد أثبتت شعوب الأمة العربية والإسلامية في مواقف صعبة كثيرة وفى أكثر من اختبار، أنها تستطيع تخطى الأزمة ومواجهة الموقف والنجاح في الاختبار إذا منحت حقها في إبداء رأيها النابع من ضميرها، وفى المشاركة مع قياداتها في اتخاذ قرارها وفقا لقيمها ولأهدافها، وفى أداء واجبها بدفع ثمن خياراتها الحرة بكل ما تملك بغير تخويف أو تزييف، وتحمل أعباء تسديد ضريبة حريتها في التعبير عن إرادتها.
وثبت للقيادات العربية في أكثر من معركة أو مواجهة مع القوى الخارجية أن قوتها الحقيقية بل قيمتها الحقيقية هي في الاستناد على دعم شعوبها النابع من الشرعية الديمقراطية لسياساتها، وأن أشرف أدوارها هو في التعبير عن إرادة هذه الشعوب والعمل بإخلاص لتحقيق تطلعاتها، وأن أمجد معاركها سواء بالهزيمة أو النصر هي التي تلاحمت فيها القيادة والشعب في إطار وحدة وطنية لا تقصي أحداً، وبدعم تضامن عربي جامع لا يعزل أحداً.
وفى مثل هذه الظروف العربية التي لا تخفى ملامحها على أحد، يأمل الشعب العربي من القادة العرب في الطريق إلى قمة دمشق المقبلة أن يكونوا عند حسن ظن شعوبهم بهم، وأن يخيبوا ظنون أعداء الأمة كلها الذين يريدون انقسام الصف العربي والذي عزل سوريا عن العرب.
ودعم إسرائيل في مواجهة العرب، وأن يغيروا هذا المشهد العربي الباعث على القلق الشعبي إلى موقف عربي جديد، بالتضامن والمساندة بدلا من التناحر والمكايدة، وبالقدرة على الفعل الإيجابي والمبدئي في القضايا العربية المشتعلة والمتفجرة والقابلة الآن للانفجار.