وأخيرا أعلنت كوسوفو استقلالها «بشكل أحادي» بعد فترة وصاية أممية وحماية أطلسية ورعاية أوروبية دامت ثماني سنوات ونيف وسبقتها عشر سنوات من صراع مع صربيا التي قلصت إلى الحد الأدنى الممكن الحكم الذاتي للمقاطعة، أدى ذلك إلى نشوب توترات وقمع صربي وتطهير عرقي ومقاومة كوسوفية.
أعلن الاستقلال وانفجرت مشكلة البلقان مجددا ولو بشكل سياسي بعد وصول المفاوضات ومبادرات الأمم المتحدة إلى طريق مسدود بسبب التصلب الصربي. الأمم المتحدة حاولت توفير ولادة طبيعية للدولة السابعة المنبثقة من الاتحاد اليوغسلافي بعد انفراطه تلافيا لبلقنة جديدة،
وللتذكير فإن كوسوفو كانت أفقر المناطق في يوغسلافيا السابقة ويصل فيها مستوى البطالة إلى 40 بالمئة وهي معرضة للدخول إلى نادي الدول الفاشلة إذا لم تقم مبادرة سريعة ووقائية لحمايتها من ذلك السقوط، ومع كوسوفو تكون المرة الأولى التي تعلن فيها منطقة وليس جمهورية كانت ضمن الاتحاد اليوغسلافي استقلالها الأمر الذي أثار بعض القلق عند بعض الأوروبيين.
فيما يتعلق «بسابقة» المناطق خاصة وأن هنالك العديد منها في دول أوروبية «تشاغب» للحصول على وضع خاص في الحد الأدنى أو الذهاب في منحى الاستقلال كحد أقصى، الإعلان عن ولادة الدولة دون أن تستكمل، ويبدو أنها لن تستكمل في المدى القريب،
شرعيتها الدولية الكاملة من خلال احتضانها وانضمامها إلى الأمم المتحدة بسبب المعارضة الروسية بشكل خاص، هذا الإعلان أدى إلى انفجار التوتر المتصاعد أساسا مع الأقلية الصربية التي تمثل أقل من عشرة بالمئة من السكان وإلى حدوث أزمة حادة ومفتوحة مع صربيا.
إعلان الاستقلال أدخل مسألة كوسوفو في سياق دولي جديد يشهد انقساما أوروبيا بشأن الاعتراف بالدولة الجديدة ولو أن هنالك توافقا حول ضرورة الاستمرار في رعاية ومواكبة المولود الجديد للحفاظ على الاستقرار ومنعا للانفجار،
و يشهد أيضا تأزما أوروبيا روسيا قد يؤدي إلى توترات وتعقيدات في ملفات ومسائل عديدة تخص الطرفين، روسيا تعتبر أن المس بوحدة صربيا هو مس بالمصالح الجيوستراتيجية التاريخية لها، وروسيا تحذر من مخاطر هذا الاستقلال على إطلاق لعبة دومينو جديدة في دول ومناطق «غربية» قد تتعرض لما تعرضت له صربيا «الروسية» مشروع كوسوفو آخر يطل برأسه من خلال مطالبة أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في جورجيا بالاستقلال بناء على «السابقة» ولو أنها ليست الأولى الكوسوفية.
اصطفاف جديد ولو أنه ليس حادا على طول الخط بين المؤيدين بحماس لاستقلال كوسوفو والمعارضين له: بعض هؤلاء لهم مصالح حيوية تتأثر بالوضع الجديد أما أكثرهم فالسبب يكمن في خوفهم من «الأثر التظاهري» أو الدينامية التي تخلقها السابقة الكوسوفية ليس فقط في أوروبا
ولكن في إفريقيا حيث تركيبة الدولة هشة والحدود مصطنعة تقطع عبر الجماعات الإثنية المختلفة وآسيا حيث يصيب الحذر دولا أساسية مثل روسيا والصين الشعبية واندونيسيا وسريلانكا واللائحة الدولية للمتخوفين بدرجات مختلفة مفتوحة وطويلة.
مخاوف البلقنة وتاريخ البلقان يشجع على ذلك تثير أسئلة وتساؤلات عديدة. تثير صراعات بين شرعيات مختلفة ومفاهيم وقواعد دولية متعددة: مفاهيم الوحدة الترابية وحق تقرير المصير وسيادة الدولة وحقوق الأقلية وبالطبع يزيد من تعقيد الأمور دائما سياسة أو منطق المعايير المزدوجة أو انتقائية المواقف
ولكن ما يحسم الأمر دائما هو توازن القوى على أرض الواقع وهو توازن تحدده المصالح المتغيرة والصفقات حولها ويجد له دائما في نهاية الأمر مرجعية شرعية في إحدى هذه المفاهيم المختلفة والمتواجهة.
لكن يبقى لأوروبا مسؤولية خاصة ومصلحة حيوية في تسوية هذا الملف الشائك بسبب موقعه الأوروبي وقدرته على الضغط والتأثير على العلاقات الأوروبية الأوروبية والأوروبية الدولية: مفارقتان هامتان تستوقفان المراقب أولهما الاستقلال الأخير المنبثق عن الاتحاد اليوغسلافي
يحصل في وقت ترؤس فيه الاتحاد الأوروبي سلوفينيا التي دشنت عملية الاستقلالات من الاتحاد اليوغسلافي وثانيهما أن الاستقلال الكوسوفي حصل في وقت وصل إلى الرئاسة الصربية بوريس تاديك الأكثر حماسا لانضمام بلاده إلى الاتحاد الأوروبي دون التفريط بالطبع بما يعتبر مسألة وطنية أساسية تتعلق بالوحدة الترابية لصربيا.
ستمشي أوروبا على حبل مشدود لفترة من الزمن حتى تستوي طبخة الحل محاولة إحداث توازن بين حماية الاستقلال الكوسوفي دون استفزاز صربيا من جهة وتشجيع هذه الأخيرة على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بما يحمله ذلك الانضمام من مكاسب من جهة أخرى في وقت تزداد الصعوبات الصربية أمام هذا المنحى بسبب «صورة» أوروبا الكوسوفية.
ومن الأرجح أن يقوم الحل الوحيد والممكن في نهاية الأمر على قاعدة حسابية قوامها أوروبا تحتضن صربيا دون الكوسوفو ولكن إلى جانب الكوسوفو التي أيضا قد تخرج منها المنطقة الصربية الصغيرة لتنضم إلى صربيا: تعديل في خرائط دول وولادة دول كل ذلك ضمن شبكة أمان أوروبية.
كاتب لبناني