هل ستعتمد روسيا في سياستها الخارجية بعد الانتخابات الرئاسية في مارس القادم على عقيدة الدولة العظمى في مجال الطاقة بشكل عام من وجهة نظر العالم المتعدد الأقطاب؟ يعتقد أن تعبير القوى العظمى الذي يستخدمه السياسيون اليوم لا يمكن أن يحمل أي معنى ويبقى تعبيرا غير واقعي فاليوم لا توجد قوة عظمى في المعنى القديم للحرب الباردة. وروسيا لا تريد أن تعود تلك المفاهيم.
أما أن تكون قوة عظيمة مؤثرة عالمية فروسيا تسعى إلى ذلك. وسيلعب دوره في هذا طبعا تطور الطاقة. ولكن هذا يتطلب تمويلا أكبر في مجال الطاقة وأمنها وسياستها وهذه المسألة مازالت قيد البحث. لكن مفهوم قوة عظمى في الطاقة مفهوم سياسي يتداول على المستوى الداخلي غير أنه ليس عقيدة أو نظرية.
سواء كان في السياسة الداخلية أو السياسة الخارجية سيبدأ ديمتري ميدفيديف رئاسته مواصلة لسياسة بوتين وفي البداية سيحكم روسيا الرئيس بوتين الذي يترك منصبه في شهر مايو القادم مع ميدفيديف الذي بدون أي شك سيفوز في انتخابات الرئاسة.
وهذا الزوج من الرئيس السابق والرئيس الحاضر سيستمران في نفس النهج في السياستين الداخلية والخارجية. في حالة فوز ميدفيدف في الانتخابات الرئاسية لن يكون هناك تغيرات جدية على المستوى السياسي والاقتصادي في الأعوام القليلة المقبلة حيث أن ميدفيدف نفسه والمجتمع المدني وحزب روسيا الموحد الذي رشح ميدفيدف لرئاسة الدولة يحاولون أن يجمعوا بين الاستمرار في السياسة الاجتماعية والمدنية والتقدم.
إن أهم القضايا الروسية الملحة، هي قضية الفقر وقضية توسع الهوة بين الأغنياء والفقراء في روسيا، وهذه القضية ليس لها حل سريع. والفرق بين الفقراء والأغنياء في روسيا أكثر بكثير من أغلبية الدول الأوروبية وحتى من الولايات المتحدة. القضاء على هذه المشكلة الصعبة يتطلب وقتا وحزما في السياسة الاجتماعية، والحل الوحيد الممكن ليس بمكافحة الأغنياء ولكن برفع مستوى معيشة الفقراء.
ميدفيديف لن يعمل على الإضرار بمصالح روسيا الوطنية وليس من مصلحته ظهور دولة نووية جديدة على حدودها عمليا على بحر قزوين والذي هو أقرب ما يكون من البحيرة في الأراضي الروسية. لذلك مستقبل النووي الإيراني يدعو إلى قلق بوتين ميدفيديف معا.
موضوع زرع منظومة الدرع الصاروخية الأميركية مرفوض تماما من قبل روسيا ولكن إن تم. فستقوم روسيا بتحديث نظام دفاعها الجوي في منطقة أوروبا الشرقية وهذا يخص أنظمة المراقبة والدفاع الجوي وأنظمة الصواريخ ولكن هذا يتوقف على نتيجة المباحثات وهل ستظهر فعلا المنظومة الأميركية أم لا.
حتى الآن هذا مجرد حديث وروسيا لم تعمل على تفاقم الأمر، ولكن في حال إصرار واشنطن على نصب هذه المنظومة في المستقبل فإن هذا سيسيء إلى المحادثات وخاصة في مجال الأمن والتعاون. يقول أحد المحللين الروس « سنعمل على تحديث أنظمتنا الدفاعية منها والهجومية وليس في هذا أي تراغيديا وسيسوء الوضع الأمني في أوروبا الشرقية ونظام الأمن بشكل عام».
هل هذا يعني عودة إلى الحرب الباردة؟ طبعا لا يمكن أن تكون هناك حرب باردة دون صدام بين مركزين قوة مختلفتين في الاتجاهات وليس من المتوقع أي صدامات مباشرة بين روسيا والولايات المتحدة. لكن روسيا غير راضية عن السياسة التوسعية للولايات المتحدة وعن خرقها للقوانين الدولية وستعمل على الحد من هذا بدون صدام معها.
روسيا بلا شك دولة عظمى مع طاقة أو حتى بدون طاقة، روسيا دولة عظمى لأنها دولة نووية ولأنها دولة كبيرة باقتصادها ومواردها الطبيعية العملاقة. الطاقة هي الوسيلة لرفع المجالات الاقتصادية الأخرى إنها تأتي بالموارد المالية المطلوبة لتطور الاقتصاد والمجتمع والتعليم والصحة وكل القضايا الأخرى التي بإجمالها تشكل دولة عظمى.
السياسة الخارجية الروسية لن تتعرض إلى تغيير يذكر بعد أن يصبح لروسيا رئيس جديد يختاره الشعب خلال الانتخابات الرئاسية وستبقى روسيا حريصة على المحافظة على النظام القانوني الدولي. صحيح أن روسيا لن تتصرف إبان ذلك «تصرف القرد» مقلدة ما تفعله الولايات المتحدة الأميركية والمقصود بذلك على وجه التحديد أن روسيا لن تقدم على الاعتراف باستقلال إقليم ابخازيا،
مثلا، عن جمهورية جورجيا في رد فعل منها على إعادة تقاسم الأراضي الأوروبية بفصل إقليم كوسوفو عن صربيا، لكن روسيا قد تتوجه لصنع المزيد من الغواصات والبوارج العسكرية وتصويب بعض صواريخها نحو مشروع الدرع الصاروخية الأميركية في الأراضي التشيكية والبولندية
وحتى نحو أوكرانيا إذا انضمت الأخيرة إلى حلف شمال الأطلسي. يؤيد بوتين الليبرالية الاقتصادية ولكنه غير مستعد لتقديم السيادة الوطنية قربانا لليبرالية والديمقراطية، وقد أكد أن سياسة روسيا الخارجية لن تتغير بعد الثاني من مارس.