ماذا لو وصلت المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية إلى طريق مسدود ونهائي؟ بين أيدينا إجابتان من قيادة السلطة الفلسطينية: محمود أبو مازن رئيس السلطة يقول: «سنعود إلى أمتنا العربية لاتخاذ القرار المناسب»، بينما يقول ياسر عبد ربه، أحد كبار مساعديه ومستشاريه: «نعلن الاستقلال من جانب واحد بالوسائل السلمية.. وعلى العالم أن يتولى إزالة الاحتلال عن أرضنا».

ربما تبدو الإجابتان للوهلة الأولى مختلفتين لكنهما في الحقيقة متطابقتان من حيث الطبيعة الجوهرية. فكل من هذين القياديين يستبعد بطريقة غير مباشرة نهج الكفاح المسلح لتحرير الأرض وإقامة دولة وطنية ذات سيادة كاملة مفضلاً إلقاء هذه المسؤولية التاريخية على عاتق طرف خارجي .. الأمة العربية أو المجتمع الدولي.

ما الذي إذن يجبر إسرائيل على التبرع طوعاً للفلسطينيين بتقديم تنازلات جسيمة في القضايا الأساسية ـ حدود 67 وعودة اللاجئين وتقسيم القدس ـ بما يفضي إلى إنشاء دولة فلسطينية ذات سيادة على رقعة أرضية متماسكة الضفة وقطاع غزة؟،

وما الذي يجعل الدول العربية أو القوى الكبرى في المجتمع الدولي تتولى بنفسها دور تحرير الأرض الفلسطينية إذا كانت القيادة الفلسطينية نفسها لا هدف لها سوى التخلص من هذا الدور وتبعته؟ الغريب حقاً أن رموز السلطة الفلسطينية يعلمون علم اليقين أن إسرائيل تمارس من خلال التفاوض لعبة عبثية لا يرتجى من ورائها نتائج جوهرية.

عبد ربه يقول إن إسرائيل تحاول الالتفاف على نتائج مؤتمر أنابوليس وما بعده والالتفاف على الموقف العربي والدولي كذلك لكسب الوقت من أجل الاستيلاء على المزيد من الأراضي وفرض وقائع عملية على الأرض تؤدي إلى قيام «دولة» فلسطينية ذات حدود مؤقتة أي على أشلاء من أراضي الضفة الغربية.

ويقول رياض المالكي وزير الخارجية في السلطة الفلسطينية إن إسرائيل ترفض الوفاء بالالتزامات التي تعهدت بها في محادثات السلام التي أعيد إطلاقها في أنابوليس برعاية الولايات المتحدة. وقال إنه لم يحدث أي شيء منذ بدء المفاوضات.

ودعا إلى ممارسة ضغوط دولية على إسرائيل. وقال إن إسرائيل تواصل سياساتها وإجراءاتها على الأرض كأن شيئاً لم يحدث فعلاً. وقال: لا يمكن لإسرائيل التصرف بهذه الطريقة وأنه يتعين أن يكون هناك تحرك وتدخل دولي.

هذان المسؤولان الفلسطينيان ـ عبد ربه والمالكي ـ لم يقولا إلا الحق. وخلاصة قولهما إن إسرائيل تمارس التفاوض كخدعة تسعى من ورائها إلى كسب الوقت ريثما تستطيع أن تستكمل وقائع على الأرض المحتلة ـ مثل بناء الجدار الفاصل والتوسع المتصل للاستيطان ـ حتى يصير قيام دولة فلسطينية عند نهاية المطاف مستحيلاً من الناحية العملية.

إذن لماذا تواصل السلطة الفلسطينية المشاركة مع الجانب الإسرائيلي في الخدعة التفاوضية؟ ما معنى أن تستمر السلطة في تفاوض مرسوم على أساس سيناريو إسرائيلي ينتهي بالمفاوض الفلسطيني إلى قبض الريح؟

قيادة السلطة الفلسطينية تفضل عدم الإجابة على هذا السؤال لأن الإجابة ستقودها نظرياً إلى قناعة قطع العملية التفاوضية فوراً، وقطع التفاوض سيقود بالتداعي إلى الخيار البديل الأوحد.. وهو تبني نهج المقاومة المسلحة لتحرير الأرض بالقوة.