ما يحصل في شمال العراق ليس له اسم آخر غير أنه انتهاك مكشوف وفاضح، لسيادة وحدود البلد. ألوف من أفراد الجيش التركي، دخلوا المنطقة، تساندهم المدفعية والمدرعات، مع دعم جوي واسع، في عملية مطاردة لمتمردي حزب العمال الكردستاني المحظور.

مصادر أنقرة العسكرية والمدنية، تقول إن القوات التركية ستغادر الأراضي العراقية، فور انتهاء مهمتها. لم تحدد فترة زمنية لهذه المهمة. إحدى القنوات التلفزيونية التركية نقلت عن مصادر أمنية قولها بأن عملية التوغل قد تستغرق 15 يوماً حسب ما هو مخطط لها. رئيس الحكومة أعلن بأنها عملية محدودة. كما أعلنت حكومته بأنها أبلغت واشنطن وبغداد بها، مسبقاً.

من وجهة نظر تركيا، الأمر مفهوم. حقّها في الدفاع عن حدودها، ليس موضع مساومة. سلامة أراضيها ومواطنيها، واجب لا يستدعي القيام به، استئذان أحد. هذا من حيث المبدأ. أما على الأرض فالمسألة لها مقدمات. أو هكذا يُفترض. على رأسها بذل أية محاولة يمكن أن تؤدّي إلى اجتناب الخيار العسكري.

الحوار، مفتاح رئيسي في هذا الخصوص. وإذا تعذر فعن طريق الوساطات والأطراف الثالثة. أو اللجوء إلى وسائل أخرى، منها أشكال الضغط المختلفة، بالتنسيق مع الحكومة العراقية. ثمة طرق وقنوات أخرى متنوعة، تبقى أقل مجازفة من الحل العسكري.

حتى ولو انطوى ذلك، أحياناً، على ما يمكن أن يبدو وكأنه نوع من التغاضي، الذي قد يفسر على أنه دليل ضعف أو تراجع عن مواقف وشروط معينة. المخارج المقبولة والتي تفي بالغرض، تبقى دوماً أفضل من الحروب وتبعاتها، وأقل كلفة وخطراً. ثم هناك عامل جوهري آخر، يتمثل بسيادة العراق. عامل مطلوب احترامه.

ومن مصلحة تركيا، كجار وكدولة، أن يؤخذ بالاعتبار. فالعراق ليس في حالة عداء أو حرب، مع تركيا. لا نزاع حدودي ولا توتر يبرر العمل العسكري، بينهما. صحيح العراق تحت الاحتلال. لكن ذلك لا يلغي، ولا ينبغي أن يلغي، موجب احترام سيادته. إضافة إلى أن مشكلة العمال الكردستاني ليست صناعة عراقية. ولا العراق أقدم عمداً على إيواء متمردي هذا الحزب.

كما أن إمكاناته وأوضاعه الأمنية المعروفة، لا تمكنه من التصدّي لمتمرّدي الحزب في شماله. لكن بالرغم من كل ذلك، شنّ الجيش التركي عمليته العسكرية، وراء حدوده مع العراق. منذ فترة وهو يهدد بها. جهات وأطراف إقليمية ودولية، ناشدت تركيا، بأن تصرف النظر عنها.

عملت أنقرة، فقط، على تأجيلها، لتعود إليها، منذ يومين. يبدو أن لها، إلى جانب حقها المبدئي، حسابات واعتبارات، إقليمية وربما داخلية، دفعتها إلى هذا الخيار. وهذا، مفهوم، من هذه الناحية، من دون أن يعني ذلك بأنه مقبول. لكن الغريب أو المستهجن هو أن تبدي واشنطن تفهمها للاجتياح. وأكثر غرابة أن يأتي رد فعل الأمين العام للأمم المتحدة، بما يفيد التفهم. اكتفى بدعوة القوات التركية إلى احترام سيادة وحدود العراق.

هكذا احترام لا يستقيم مع اجتياح عسكري، بصرف النظر عن وجاهة المبررات. التفهم هنا، أو ما يوازيه، له مفعول واحد: التسامح مع استباحة العراق، مع كل ما ينطوي عليه ذلك من تشريع لنوافذ وأبواب بيت السيادة العراقي، وبما يجعله عرضة للمزيد من الاستباحات.