إرجاء الأمين العام لجامعة الدول العربية زيارته إلى لبنان وفق ما أعلنه مدير مكتبه هشام يوسف الذي غادر بيروت عائدا إلى القاهرة بعد أن أجرى اتصالات على مدى يومين مع مندوبين عن الطرفين تمهيدا لوصول موسى، بسبب ما قال عنها إنها عراقيل ، يشير إلى أن هناك تعثرا جديدا وعقبات كأداء تقف أمام رغبة التوصل إلى انفراجة حقيقية في الأزمة اللبنانية، وأن لبنان محكوم عليه البقاء في حالة الجمود الراهنة التي لن تخدم في المقام الأول إلا أعداءه الذين يسعون إلى جعله مسرحا لعملياتهم التخريبية في المنطقة ومنطلقا تنطلق منه مخططاتهم الدنيئة ضد شعوبها.
كما يدل هذا التأجيل على أن الفجوات بين الفرقاء اللبنانيين تزداد اتساعا لا تقاربا، وتصعب من مهمة موسى الذي يسعى إلى الاجتماع مجددا مع ممثلي الأكثرية والمعارضة والذي يريد البناء على ما تم التوافق عليه، في الجولتين السابقتين، ولعل العراقيل التي أعلن عنها مدير مكتب عمرو موسى هي ما تحدث عنه الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل في حوار مع محطة تلفزة لبنانية من خيارات وشروط جديدة للمعارضة وهي إما الثلث المعطل وإما حكومة بثلاث عشرات على أن يمتنع وزراء رئيس الجمهورية العشرة عن التصويت أو المشاركة في النقاش في أي ملف أساسي يطرح على التصويت. وهذا يعني أن الأمين العام لجامعة الدول العربية سيجد نفسه مضطرا للبدء من المربع الصفر وليس من حيث انتهى.
وتمترس كل من الأكثرية والمعارضة عند مواقفهما مؤداه إلى فشل المبادرة العربية، وهذا الفشل إن حصل فسوف تترتب عليه معطيات على الأرض وهي الاحتكام إلى الشارع الذي يعتبر في كامل جهوزيته، ما ينقصه فقط الشرارة تلو الشرارة، لتنطلق الحرب الأهلية، أو تدويل الأزمة ونقل ملفها بعهدة الدول الكبرى لتتولى الإشراف عليه، وهذا يعني أن لبنان سيصبح منزوع السيادة فعلا ، وفي حالة تعذر حصول أي من هذين الاحتمالين قد يتم جر حزب الله إلى فخ حيث إنه الآن بصدد الانتقام لمقتل قائده العسكري عماد مغنية، بأسر جنود أو تمكينه بتنفيذ عملية ضد إسرائيل، لتكون شرارة قيام حرب جديدة كتلك التي قامت صيف عام 2006، وما أشبه اليوم بالبارحة، فها هو الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله يحذر من أن إسرائيل تستعد لحرب جديدة على لبنان والمنطقة وأن اغتيال القيادي في الحزب عماد مغنية جاء في سياق التحضير لتلك الحرب التي إن حدثت فإن هناك عواقب وخيمة ستترتب على المنطقة بأسرها.
طبعا لبنان والمنطقة بأسرها ليست بحاجة إلى حروب وتدمير وإهلاك للحرث والنسل، بل إن شعب لبنان وشعوب المنطقة كلها بحاجة إلى سلام وأمن ورخاء ، لتتفرغ إلى بناء حاضرها ومستقبلها كغيرها من الأمم والشعوب الحرة المطمئنة.
غير أن تحقق هذه الأمور مرهون بما ما يتمتع به القادة اللبنانيون من حكمة وعقل وحسن تصرف وكذلك قادة المنطقة، والانطلاق من واقع المسؤولية الوطنية والمصالح المشتركة وتغليب مصالح شعوبنا العربية.
إن لبنان اليوم في أمس الحاجة إلى أن يستعيد عافيته، ويبدأ رحلة الإعمار لما دمرته الحرب، وسنوات التعطيل ويسترد دوره كعضو فاعل في جامعة الدول العربية ومنظمة الأمم المتحدة، لا أن يبقى ألعوبة بيد تجار المصالح والحروب والأوطان، وساحة لصراع الإرادات التي لا تهدف إلا إلى تعميق الجرح العربي النازف.
