يؤمل أن يكون قرار الامين العام لجامعة الدول العربية تأجيل زيارته الى بيروت بأنه تأجيل مؤقت ولدواعي افساح المجال أمام المزيد من المشاورات والاتصالات والجهود لفتح نافذة فرص لاخراج لبنان الشقيق من أزمته السياسية المحتدمة وايجاد قواسم مشتركة بين الطرفين المتقابلين تسمح بتنفيذ بنود المبادرة الشاملة والمتوازنة التي طرحها المجلس الوزاري العربي في جلسته الطارئة قبل عدة أسابيع هذه المبادرة التي لاقت قبولا من فريقي الموالاة والمعارضة لكنها اصطدمت بشروط وتعقيدات ما لبثت ان غدت ساحة سجال بينهما، على نحو يستمر فيه الفراغ في سدة الرئاسة ما ينذر بعواقب وخيمة كالتي رأيناها في الايام القليلة الماضية والتي ما تزال اجواؤها مخيمة على المشهد اللبناني وتفتح الطريق على مخاوف جدية بأن يفلت زمام الامور من أيدي القادة والسياسيين ويتم الاحتكام الى الشارع ما يعني خراب لبنان وذهابه الى المجهول..

من هنا تبدو الحاجة ماسة الى إعمال العقل والتبصر والارتفاع الى مستوى المسؤولية وعدم الوقوع في فخ اغراءات القوة واستخدام السلاح في حرب أهلية مدمرة أو الركون الى الدعم الخارجي الدولي الاقليمي على حد سواء لبناء مواقف سياسية من قضايا وملفات داخلية يدرك الجميع ان لا قدرة لأحد على حسمها منفردا أو ابتزاز الآخرين تحت طائلة القوة والاحتماء خلف التحالفات الخارجية أيا كانت..

ليس من سبيل للخروج من الازمة الطاحنة التي تعصف بلبنان والمفتوحة على احتمالات عديدة سوى تطبيق المبادرة العربية التي كلف امين عام الجامعة العربية تنفيذها ببنودها الثلاثة وعلى رأسها بل في مقدمتها انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية ليس فقط لملء هذا الموقع الدستوري المهم والحيوي والشاغر منذ ثلاثة اشهر وانما ايضا للمضي قدما في تنفيذ البندين الاخرين وتجاوز الازمة الراهنة واعادة الاعتبار والعمل للمؤسسات الدستورية الاخرى وبما يضمن دخول لبنان في مرحلة جديدة لا تحدث قطيعة مع ما سبقها فحسب بل وايضا تؤسس لحال جديدة من التوافق والشراكة القائمة على الثقة والانتماء للبنان الوطن والشعب والتاريخ وبما يحفظ السلم الاهلي وصيغة العيش المشترك هذه الصيغة الفريدة التي حمت لبنان وجنبته مخاطر الانهيار والاندثار على رغم كل ما لحقه وما الحقه الاخرون فيه من دمار واشعلوا على ارضه الحرائق والحروب وخطط التآمر.

المبادرة العربية ببنودها الثلاثة انتخاب رئيس للجمهورية ثم تشكيل حكومة وحدة وطنية واقرار قانون انتخاب جديد عصري وممثل وعادل هي الان امام مفترق طرق حقيقي ومصيرها بين اللبنانيين وحدهم وهم الذين سيقررون ان كانوا سيأخذون بها ويخرجون بلدهم وشعبهم وانفسهم من حال الانقسام والشحن الطائفي والمذهبي والارتهان لارادة الخارج ''ايا كان '' ام سيديرون ظهورهم للمصالحة والتفاهم والتوافق ويبدأون بحفر الخنادق والتمترس خلف المصالح الشخصية والجهوية والمذهبية والطائفية؟