ما هي الأهداف الفلسطينية العليا في هذه المرحلة؟ ما هي الأولوية الأولى على جدول أعمال الفلسطينيين الآن؟ ما هو الهدف الذي يتعين أن يشكل موضع إجماع الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة وفي المنفى؟ لنرى الفرضيات في محاولة متواضعة من العصف الذهني:
1) قيام الدولة المستقلة بعاصمتها القدس الشرقية وعودة اللاجئين.
2) مواصلة النضال العسكري ضد إسرائيل.
3) بناء ومواصلة بناء مؤسسات السلطة في الضفة الغربية وقطاع غزة عبر المساعدات العربية والدولية.
4) تعزيز وترسيخ الديمقراطية في أراضي السلطة الفلسطينية بما في ذلك انتظام الانتخابات في مواعيدها.
5) محاربة الفساد.
تشكيل تحالف عربي وإقليمي يهدف إلى تقوية الوضع الفلسطيني التفاوضي.
6) تشكيل نفس التحالف لكن بهدف آخر هو رفع القدرات العسكرية الفلسطينية أمام إسرائيل ومنح الفلسطينيين قدرة على توجيه ضربات موجعة لإسرائيل. أي بمعنى آخر تعديل موازين القوة.
7) إلغاء اتفاق أوسلو والاتفاقيات اللاحقة (خارطة الطريق) وتعهدات «مؤتمر أنابوليس» والتوصل إلى اتفاق جديد.
لقد أثبت التاريخ أن خطرا ما يمكن أن يواجه نضال شعب من أجل الاستقلال والتحرر من الاحتلال هو الانقسام حول الأولويات الوطنية العليا التي يتعين أن تشكل موضع إجماع لدى الشعب وطلائعه السياسية. وأخطر ما في الأمر، أن تصبح الأهداف الثانوية أو الأدوات هي الغاية بحد ذاتها. إن هذا هو ما ينطبق على الوضع الفلسطيني.
إن استعراض الأهداف المحتملة الآنفة الذكر، ستقودنا بالنهاية إلى أن ما يجري هو انقسام حول الأولوية العليا، الهدف الذي يمكن أن يجمع عليه الفلسطينيون ويعملوا من أجله. إن الأولوية رقم (1) في القائمة الآنفة الذكر (قيام الدولة والقدس وعودة اللاجئين) هي الهدف المعلن من قبل السلطة الفلسطينية والذي تعمل من أجله، أما الأولويات اللاحقة من (2) وحتى (8) ورغم تنوعها وأهميتها أيضا فهي وسائل وأدوات.
ما يجري هو أن هذه الوسائل والأدوات أضحت غاية في حد ذاتها في حمأة الانقسام الفلسطيني، لأن قليلا من التبصر سيرشدنا إلى أن تلك الأولويات تصب جميعها في خدمة الهدف الأول: «قيام الدولة». كل تلك الوسائل عرفها واختبرها الفلسطينيون منذ البدايات الأولى للصراع مع إسرائيل. إن النضال المسلح المبني على حق مقاومة الاحتلال هو إحدى الأدوات والوسائل المهمة التي تقرها المواثيق الدولية.
لكنه سيبقى أيضا وسيلة من جملة وسائل لا حصر لها مثل النضال السياسي والثقافي أيضا. والمنطق يقول إنه ليس صحيحا أن يصبح القتال غاية بحد ذاتها، بل يتعين أن يكون وسيلة لبلوغ هدف أكبر وأسمى. أما الديمقراطية فهي وسيلة عمل وطريقة تفكير ومنهج وأسلوب.
وليس من المنطقي أن نقول إن الديمقراطية هي الغاية القصوى للفلسطينيين الآن. إنها مطلوبة منهجا للعمل وقد نضيف بتأكيد جازم: «منهجا وحيدا»، لكنها أيضا مثل كل الوسائل يتعين أن تقودنا إلى غاية قصوى ونهائية.
أما التحالفات السياسية أيا كانت الأسس التي تقوم عليها، فيتعين أن تقودنا إلى هدف نهائي أيضا. فالتحالف أيا كانت أطرافه ليس هدفا بحد ذاته، وأيا كان الهدف من التحالفات في أمثلتنا السابقة الذكر فهي من وجهة الاستدلال العقلي لابد أن تقود إلى الهدف الأول: قيام الدولة.
وإذا كان قيام الدولة كأولوية فلسطينية هدفا قد تثار حوله الشكوك، فإنه يتعين أن يكون هناك هدف وأولوية بديلة يمكن أن تشكل إجماعا في أوساط الشعب وطلائعه. وتأخير هذا الهدف في قائمة الأولويات الفلسطينية مثلا، يقترح منطقيا أن «التدرج في بناء ألوية الدولة المستقلة» ليس موضع إجماع.
وهذا بدوره يقترح أن البديل المطلوب قد يكون إحداث طفرة كبرى مثل «إيقاع هزيمة عسكرية» ساحقة بالعدو تجعله في موقع أقرب إلى الاستسلام. وهذا هو الاحتمال الذي يترجم الهدف رقم (7) في قائمة الفرضيات الآنفة.
لكن، إذا كان هدف قيام الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وعودة اللاجئين هي الأهداف المعلنة للسلطة الفلسطينية على الأقل، فإن الغموض هو الجواب الوحيد الذي يمكن أن نظفر به من قبل حركة المقاومة الإسلامية (حماس).
التساؤل مطروح منذ فترة: ما هو برنامج (حماس)؟ ما هي الأولويات الفلسطينية التي تراها الحركة؟ ما هو برنامج الحد الأدنى الذي يتعين أن يلتف حوله الشعب الفلسطيني كله في الداخل والخارج؟. بعيدا عن الهجاء السياسي السائد الآن في الساحة الفلسطينية ومفردات التخوين التي يضج بها خطاب الحرب السياسية والإعلامية المستعرة بين الطرفين.
فإن التاريخ يثبت من جديد أن اخطر ما يمكن أن يتعرض له نضال شعب من أجل الاستقلال والتحرر من المحتل هو الانقسام حول الأولويات الوطنية. والمؤسف هنا أن هذا الانقسام يأتي ليتوج عقودا من النضال الفلسطيني ذو الأهداف الوطنية الواضحة التي أجبر العالم على احترامها والعمل من أجل تحقيقها.
هذا الانقسام الذي أثمر لحظة ضعف غير مسبوقة في تاريخ النضال الفلسطيني، تستفيد منه إسرائيل حتما والولايات المتحدة. والأمر واضح: منع بناء الوية الدولة المستقلة التي يتعين بناؤها بدأب ومثابرة (الأهداف رقم 3، 4، 5 في القائمة) عبر اجتياح جنين والاجتياحات المحدودة التي تجري من حين لآخر وجعل الحرب خيارا قائما ويجد دعما سياسيا عالميا.
ويجري العمل على تحقيق الهدف رقم (8) معكوسا أي بالتهرب من استحقاقات الاتفاقات تلك وفرض اتفاقات جديدة وهو ما قامت به كل الحكومات التي جاءت بعد اغتيال اسحق رابين وحتى اليوم. أما قائمة الذرائع جاهزة ولا تحتاج إلى افتعال: الهدف رقم (2)، الذي أصبح العالم اليوم يترجمه في عبارة أخرى: «الحرب على الإرهاب».
لا يتعلق الأمر بصواريخ القسام فقط ولا بالعمليات الانتحارية ولا بالوسيلة الأسمى «النضال العسكري» بل بالغموض الذي يلف موقف حركة حماس حيال الأهداف العليا للنضال الفلسطيني. هذا الغموض لم يثمر ضعفا فلسطينيا غير مسبوق، بل أنه بات يضعف مكمن القوة في النضال الفلسطيني كله ضد إسرائيل: التفوق الأخلاقي لشعب تحت الاحتلال.
كاتب بحريني
