«لقد قامت دولة كبرى في هذا الشرق، ليست دخيلة فيه ولا غاصبة، ليست عادية عليه ولا مستعدية .. دولة تحمي ولا تهدد، تصون ولا تبدد، تقوي ولا تضعف، توحد ولا تفرق .. تشد أزر الشقيق، وترد كيد العدو، لا تتحزب ولا تتعصب، لا تنحرف ولا تنحاز.. تؤكد العدل، وتعزز السلام، وتوفر الرخاء لها ولمن حولها من البشر جميعا بقدر ما تتحمل وتطيق».

بهذا الإعلان التاريخي للزعيم العربي جمال عبد الناصر وشقيقه المواطن العربي الأول شكري القوتلي، منذ 50 عاما وبالتحديد في الثاني والعشرين من فبراير عام 1958، كتبت شهادة ميلاد أول دولة وحدوية في تاريخ العرب الحديث بين مصر وسوريا، في أول خطوة رسمية عربية استجابة لإرادة شعبية عربية، لتصحيح الأوضاع التقسيمية التي خلفها الاستعمار بخرائط تهشيم الأمة العربية.

كما عبر الرئيس القوتلي عن الواقع العربي حين قال «إننا بإعلان الوحدة بين مصر وسوريا لم نأت بجديد، بل إننا نصحح الأوضاع»®. لقد كانت هذه الكلمات أصدق تعبير عن واقع وتطلعات وإرادة الشعب العربي ليس في مصر وسوريا فقط، بل على امتداد الوطن العربي كله من خليجه إلى محيطه .

وبينما كانت تلك الخطوة الوحدوية، تمثل للشعب العربي الخطوة الإستراتيجية الأولى لتغيير المشهد العربي من التجزئة إلى الوحدة ومن الضعف إلى القوة ومن التخلف إلى التقدم، ولإعادة تصحيح الخلل الواقع بالتجزئة على الأرض العربية منذ خرائط سايكس بيكو التي قسمت النفوذ الاستعماري بينهما، وأبقت كل جزء غير قادر على تحقيق أمنه أو بناء نهضته، كانت إسرائيل التي لا تنبع قوتها إلا من تجزئة العرب.

ومن ضعف العرب، ومن تخلف العرب نتيجة هذه التجزئة، تشعر منذ إعلان الوحدة المصرية السورية بالخطر وشعر بن جوريون بأن إسرائيل أصبحت بين فكي كماشة عربية، ولم تكن إسرائيل وحدها من تشعر بالعداء للوحدة، بل أيضا القوى الاستعمارية وتوابعها الانفصالية، وتلك الأقليات النخبوية الشعوبية والعنصرية المعزولة شعبيا التي ترتبط مصالحها بمصالحه.

إن القيمة الأساسية لهذه الخطوة الاستراتيجية جاءت بتعبيرها عن إرادة شعبية لإزالة مخلفات الاستعمار، الذي لا يريد لهذه الأمة أن تستعيد ذاتها من جديد، فلا يريد لها وحدة ولا تقدما ولا حرية، بل أجزاء ضعيفة لفرض إرادته السياسية عليها، ولتمكين قاعدته الاستعمارية إسرائيل أن تكون الدولة الإقليمية الأقوى، كعصا غليظة يضرب بها أي محاولة لوحدة وطنية، وفاصلا جغرافيا يمنع به اتصال الأرض العربية .

لقد حاولت كل تلك القوى ولا تزال بالسفور الأميركي في وراثة النفوذ الاستعماري في الشرق، منع الوحدة الوطنية سواء في فلسطين أو العراق أو لبنان أو الصومال أو السودان أو في أي وطن عربي أو إسلامي، وهذا يعني بوضوح أنها تعمل بكل الوسائل الفكرية والثقافية والإعلامية والسياسية والعسكرية ليس فقط لضرب أية محاولة عربية أو إسلامية للوحدة، بل أيضا على تشويه فكرة الوحدة ومحاولة التكفير الشعبي بها .

إن فشل التجربة الوحدوية المصرية السورية سواء لخطأ تصميم البناء أو إدارة الحركة، أو لتآمر القوى المعادية لإفشال هذه التجربة لا يعني سقوط مبدأ الوحدة الذي مازال يملأ وجدان الشعب العربي، ولا يعني أنها لم تنجح بصياغات أخرى سواء بالنموذج الاتحادي في التجربة الإماراتية أو بالنموذج الوحدوي في التجربة اليمنية، وإنما يعني أن نتعلم من أخطاء تجاربنا لنقيم البناء الصحيح.

ولا مانع أن نتعلم من أوروبا التي احتفلت بإزالة الحدود بين دولها الـ 25 بينما نحن لا نزال نحتفل بترسيم الحدود، أو حتى من أفريقيا التي تتجه نحو الولايات الأفريقية المتحدة بينما الولايات العربية غير المتحدة مازالت تعيش خارج العصر، الذي لم يعد يأبه بالصغار ولا يعترف إلا بالكبار .

mamdoh77t@hotmail.com