بمباركة من رئيس الدولة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان «حفظه الله» تم تشكيل مجلس الوزراء الجديد كما قدمه وعرضه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وهذا يدل على أن النظام السياسي في دولة الإمارات مهتم بالتحديث والإصلاح المستمر، من أجل الاستجابة لمتطلبات الجماهير الاتحادية ولتحقيق رغبته في التنمية المستدامة.

وفي إطار تجديد الدماء المستمر، وبث روح جديدة في العمل الحكومي الاتحادي، جاءت التعديلات على التشكيلة الحكومية الجديدة حتى تتلاءم مع التحديات المستقبلية، وليتجدد الأمل في تشكيل جديد للوزارة يعكس مختلف القوى الوطنية ويعبر عن مصالح شعب الدولة الاتحادية بكل طوائفه.

تشكيلاً يعبر عن مصالح الناس ويحل مشاكلهم، كما يتجدد الأمل في أن تأتي الوزارة الجديدة معبرة عن المشاركة بين الحكام والمواطنين، وهذا بلا شك سوف يكون خطوة كبرى على طريق التلاحم بين الأمة الاتحادية وقيادتها السياسية.

أما بالنسبة للوزراء في الحكومة الجديدة فلنا أكثر من وقفة. فعلى كل وزير اتحادي سواء كان جديداً على الحكومة أم قديماً ـ أن يعلم أن الوعي السياسي للمواطن الإماراتي قد حدثت فيه طفرة كبرى، وأن المواطن لديه القدرة على التمييز بين الوزير الجاد وغير الجاد، وأن قادة دولة الإمارات يستمعون جيداً للمواطنين.

ولذا فإن الوزير الذي لا يهتم بمصالح الوطن والمواطنين إنما هو وزير لن يعمّر كثيراً في الوزارة، لأن قادة الأمة الاتحادية ومواطنيها يريدون وزراء يخدمون الناس، ويتحاورون معهم ويفتحون أبوابهم للضعيف قبل القوي، والفقير مثل الغني، ومكاتبهم ليست قلاعاً محصنة لا يستطيع أن يعبر أبوابها عامة المواطنين الذين يريدون حل مشاكلهم.

إنهم يدافعون عن المظلومين، ويبذلون قصارى جهدهم من أجل تحسين الخدمات، إنهم يعتبرون أنفسهم من الناس وإلى الناس، وليسوا من جنس آخر راقٍ ومترفع! إن المواطن في الحكومة الاتحادية يريد وزيراً يعتبر نفسه جندياً في خدمة الجماهير الاتحادية، فالوزير هو المؤازر.

لأنه يؤازر ـ أي يساند الجماهير ـ والمساندة هي بذل قصارى الجهد من أجل تحقيق مشاريع الإصلاح، وتحقيق برامج التنمية وتطبيق الاستراتيجيات على أرض الواقع. وذلك في مقابل الوزير المزيف الذي يظن أن الوزارة تعني النفاق والرياء ومعسول الكلام والسكوت عن الخطأ والمجاملات!

وإذا كان البعض يعتقدون أن معنى الوزارة هي مؤازرة الدولة، فهذا ليس معناه المساندة بالحق والباطل، ولكن معناه دعمها في الحق، وردها عن الباطل، لأن المؤازرة الحقيقية للدولة هي مؤازرة المجتمع، مؤازرة الناس، مؤازرة المواطن، مؤازرة رجل الشارع، وحل المشاكل ورفع المظالم، وتحقيق الرفاهية، وتحسين الخدمات الحكومية، والقول الصادق، والعمل المتفاني، والابتعاد عن المصالح الخاصة!

وعلى كل وزير أن يدرك أن المواطنين يريدون وزراء جادين يعملون على التفاعل مع المجتمع، ولذا أمام الوزراء لائحة واجبات طويلة إذا أرادوا أن يضطلعوا بدور في النهوض بالأمة الاتحادية. وحتى يمكن لأي وزارة أن تنجح في أداء واجباتها، يجب على كل وزير فتح حوار حر تشارك فيه كل القوى الاجتماعية حول تحديد الأهداف المرحلية والطويلة الأمد للمجتمع.

وفي هذا الحوار لابد من تشجيع المفكرين والمثقفين وأهل الاختصاص على الإسهام بآرائهم بحرية كاملة، حتى ولو كانت تنطوي على أشد الأمور حيوية بالنسبة للمجتمع. ومن ثم يجب على الوزراء تشجيع المفكرين على تقديم خلاصة فكرهم واجتهاداتهم لحل مشاكل كل وزارة، إما من خلال صحافة حرة وكتّاب أحرار.

أو من خلال مؤسسات ومجالس متخصصة ذات استقلال كامل مثل المجالس والأكاديميات في بريطانيا أو لجنة التخطيط في الهند، أو معاهد تحليل وتصميم السياسات في الولايات المتحدة الأميركية، مثل معهد هدسون، معهد سميثبونيان، وبروكنجز وغيرها.

وعلى الوزراء أن يأخذوا ما يقدمه المفكرون والمثقفون والمختصون مأخذ الجد، قولاً وعملاً، وهذا يتأتى بالضرورة بتنفيذ ما يقدمه المفكرون من استراتيجيات وسياسات ومشاريع أو قوانين ومقترحات على أرض الواقع، وعلى الوزراء كذلك النزول إلى أرض الواقع لتحليله وفهمه، وإيجاد الحلول لمشاكله، ويتطلب ذلك من كل وزير النزول تدريجياً، أو بين الحين والآخر، من برجه العاجي إلى مستوى الأغلبية من الجماهير الاتحادية.

وعلى الوزير أن يدرك أن المجتمع دائماً يريد إجابات وحلولاً عملية لمشكلاته في إدارة المجتمع والوفاء باحتياجاته، وأنه مهما كان اتساع ثقافة المجتمع، إلا أنه في نهاية اليوم يريد أن يكون قد تعامل مع مشكلات هذا اليوم لينام آمناً.

ومن هنا يجب على الوزير أن يمارس استراتيجية «الأجل القصير» دون أن يتخلى بالضرورة عن استراتيجية «الأجل الطويل»، وأن يمارس استراتيجية «احترام الجزئيات» دون أن يتنازل عن ضرورة النظرة الشاملة أو الإصلاح المتكامل.

ويلزم أن يكون لدى الوزير تصور إداري تقني لمواجهة مشكلات المؤسسات في التعامل مع المشكلات قصيرة الأجل، كما يلزم أن يكون لديه تصور تخطيطي متوسط أو طويل الأجل لإصلاح المؤسسات والقطاعات التابعة لوزارته، وتتركز المجالات التي تنضوي تحت هذه الأخيرة في مساعدة القطاعات على التحديد العلمي للخيارات المتاحة في مجالات التنمية والتكنولوجيا والسياسات العلمية والتعليمية.

ويكمن الدور الأكبر «للوزير» في بلورة السياسات، وحصر الخيارات المتاحة لتنفيذ كل منها، وحساب التكلفة المادية والمعنوية لكل خيار، وعليه ترشيد القرارات التنفيذية، من حيث التوقيت والإخراج والاتساق مع قرارات سابقة أو محتملة، والتحسب للتداعيات المحتملة.

وأحسب أن العبء الأكبر الذي ينتظر الوزراء الجدد هو أن يقوموا بقطع الطريق على صغار وكبار المفسدين، وأن ينشئوا مؤسسات رقابية لديها سلطة متابعة الزيادة على ممتلكات وأموال الموظفين، ويمكنها محاكمة أي شخص تتضخم أمواله بطريقة غير معلومة المصدر.

ولابد أن تنشيء الحكومة جهة محايدة يمكن الشكوى إليها، ويكون لدى هذه الجهة حق المساءلة، وسلطة التحقيق، وسلطة رد الأموال إلى أصحابها، وسلطة إحالة أي موظف يثبت تقاعسه أو تعطيله لمصالح الوطن والمواطنين إلى المحاكمة.

إن التطوير لا يقتصر فقط على معاقبة وتتبع الفاسدين، بل لابد من العمل جدياً على إعادة هيكلة نظام العمل في القطاع الحكومي الاتحادي، والتحول إلى نظام الحكومة الالكترونية، حتى يمكن القضاء على الروتين والبيروقراطية التي تعطل العمل، وتعطل مصالح الناس

جامعة الإمارات