ربما وصل التأزم السياسي اللبناني إلى عنق القمقم وبات يقترب من مرحلة الانفجار، ومع نجاح جهود التهدئة والتنفيس حتى الآن، ولله الحمد، فإن ما يحمله قادم الأيام لا يبدو مضموناً وقد لا يتفق مع حسابات حقول السياسيين الذين يبدو أنهم ماضون، وبإصرار، إلى آخر المطاف في رقصة حافة الهاوية.
ما شهده لبنان خلال الأيام الماضية من تهديدات لسفارات، يدق ناقوس الخطر من تحول الأزمة السياسية إلى أزمة أمنية. ورغم أن الأمر مرفوض عربياً ولبنانياً إلا أن أحداً لا يعرف من هو الذي يلعب هذه اللعبة وإلى أي مدى سيصل بها، وما ردود الفعل التي ستستتبعها.
المملكة العربية السعودية، ومن بعدها الكويت التي تلقت أكثر من تهديد مباشر لسفارتها، رأت أن التريث في السفر إلى لبنان في ظل هذه الظروف السياسية المتأزمة وذيولها الأمنية هو القرار الأكثر حكمة في الأوضاع الراهنة انتظاراً لنجاح جهود جامعة الدول العربية ومبادرتها، وتجاوز اللبنانيين «الظروف الصعبة التي يمرون بها».. ولكن هذه الظروف يبدو من كل المعطيات أنها محكومة بقرارات في أكثر من عاصمة لها مصالحها في لبنان وتتفق على الاختلاف.
هذه الأساليب التي تضع المقار الدبلوماسية للدول العربية في مرمى الخلافات والتهديدات مدانة ومرفوضة، وخارج السياق الذي يجب أن تكون عليه العلاقات العربية العربية.. لكن الحذر واليقظة يبدوان أمراً ضرورياً في هذه المرحلة انتظاراً ليوم 26 الجاري الموعد المرتقب لإخراج لبنان من فراغه الرئاسي الذي طال واستطال،
لأن التأجيل الجديد قد يدفع بالاحتقان إلى خارج القمقم في ضوء تصاعد نبرة التهديدات التي تابعها الجميع قبل أسبوعين، قبل أن تنجح مساعي نزع فتيلها. الكثيرون قد يبدو أن لهم مصلحة في إشعال هذا الفتيل، ولهذه الغاية تداعت القيادات الروحية اللبنانية لتؤكد تحريم الاقتتال ورفض حمل السلاح، والمطالبة بتحمل المسؤولية.
لبنان، منذ القدم كان بيتاً للعرب وله في الذاكرة الكثير، ولا تعني التحذيرات العربية الداعية إلى الحيطة والحذر والابتعاد عن لبنان، فالعرب والدبلوماسية الخليجية تحديداً لن تترك لبنان ليواجه وحده ما يحاك له، ولكن هناك أشياء مطلوبة من السياسيين اللبنانيين أنفسهم، فالمطلوب الآن في الأيام المقبلة، أكثر من الأسابيع الماضية ربما، اعتماد لغة التهدئة، إلى أقصى درجة، والابتعاد عن الخطابات المتشنجة التي تجد، للأسف، من ينفث فيها.
اللبنانيون يتشوقون إلى حل الأزمة، وهم في هذا الأمل ليسوا وحدهم، فالعرب من الشرق إلى الغرب يودون رؤية اليوم الذي يعود فيه لبنان كما كان، فلبنان الصغير كان على الدوام نبراس علم وثقافة وفن، وعنوان انفتاح وتسامح، وموطناً للتعالي على المصائب ومواجهتها. لكن الجميع يحمل أيضاً مخاوف من إعادة لبنان إلى الماضي: إلى 1975 وما بعده.
قلنا مراراً أن المطلوب هو تحكيم العقل، لا إطلاق العنان للتلاسن والسلاح، ففشل الحل العربي والمبادرة التي اتفق عليها وزراء الخارجية العرب في يناير الماضي ولا تزال تصطدم بالعثرات الطبيعية وغير الطبيعية يعني مواجهة المرفوض، سواء في لبنان أو خارجه.
