لم تعد الدعوات الموجهة للولايات المتحدة للكيل بمكيال واحد في قضايا السياسة الخارجية مقتصرة على قضايا الأرض فقط، بل وصلت خلال اليومين الماضيين إلى الفضاء أيضا.
فمع الاحتجاجات الكثيرة على نظر الولايات المتحدة بعين واحدة لقضايا الصراع العربي-الإسرائيلي والعراق وأفغانستان وإيران واتهامها بالانحياز لطرف دون آخر، وهو اتهام صادق في معظم الحالات، عادت الأنظار لتتركز مرة أخرى على سباق التسلح في الفضاء بعد أن قامت أميركا بإسقاط قمر صناعي أميركي معطل بصاروخ أطلق من إحدى السفن الحربية الأميركية على ارتفاع 250 كيلومتراً فوق المحيط الهادئ، بحجة قلق الإدارة الأميركية من سقوط القمر على الأرض وهو محمل بالمحروقات السامة.
وسواء كانت الذريعة الأميركية صادقة أم لا، إلا أن أسلوب التخلص من القمر الصناعي واجه احتجاجا شديد اللهجة من الصين التي اتهمت الولايات المتحدة بـ"ازدواجية المعايير" لأن أميركا نفسها، بالإضافة إلى عدد من الدول الأخرى، وجهت انتقادات حادة للصين عندما أسقطت قمرا صناعيا صينيا بنفس الطريقة في العام الماضي.
كما أعربت روسيا عن قلقها من العملية الأميركية على اعتبار أن ذلك قد يكون تم في إطار تجربة سلاح فضائي أميركي جديد، الأمر الذي يعيد إلى الواجهة قضية سباق التسلح في الفضاء و"حرب النجوم" التي يفترض أن أميركا وافقت شكليا على الحد منه.
وإذا كانت المخاوف الروسية-الصينية نابعة من إطار أمني-سياسي، خاصة بعد أن رفضت الولايات المتحدة توقيع معاهدة دولية تمنع نشر الأسلحة في الفضاء والتهديد بضرب الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية الأخرى، فإن ما يزيد من مصداقية الاتهامات بازدواجية المعايير الأميركية في هذه القضية أنها صدرت أيضا عن علماء معروفين في مجال الفيزياء من أمثال البروفيسور الأميركي ميتشيو كاكو الذي قال إن هناك "درجة من الصدق" في هذا الاتهام، وإن تسليح الفضاء سيدفع الإنسانية خطوة أخرى نحو حرب كونية لا يريدها أحد، وهو أمر توافق عليه عالمة فيزياء الفلك الأميركية لورا جريجو من برنامج الأمن العالمي، والتي اعتبرت أن استعراض سلاح مضاد للأقمار الصناعية يضر بالمصالح الأميركية على المدى البعيد.
إن وصول ازدواجية المعايير الأميركية إلى الفضاء أمر من شأنه أن يقلق العالم، فانعكاساته الخطيرة التي يتحدث عنها علماء الفيزياء المتخصصون لن تكون مقصورة على منطقة واحدة، بل قد تهدد الوجود الإنساني في كل مكان. إن على الولايات المتحدة، وهي الدولة الأقوى في العالم، أن تتبنى مسؤولياتها الأخلاقية والأمنية التي تفرضها مكانتها عليها في العالم وتتوقف عن لعب دور الند للند حتى مع أضعف دول العالم، فالقلق الدولي ليس نابعا من امتلاك أمريكا لقوة هائلة، بقدر ما هو نابع من سوء استخدام القيادة الأميركية لهذه القوة.
