روبرت غيتس، وزير الدفاع الأميركي، كان واضحا جدا يوم العاشر من فبراير ـ شباط الحالي عندما أعلن في ميونيخ بألمانيا، بحضور ستة وعشرين من وزراء دفاع الحلف الأطلسي، أن الحلف الأطلسي يواجه خطرا كبيرا بسبب فشل يتهدده في افغانستان. ولا يتهدده هو وحده وإنما يتهدد « الأمن الأوروبي» كله.

قال غيتس بالحرف: «أحسّ أن أشخاصا عديدين في هذه القارّة لا يفهمون مدى التهديد المباشر المسلّط على الأمن الأوروبي». وهذا في الواقع ما تريد واشنطن منذ شهور عديدة إقناع الحلفاء الأوروبيين به. ولكن يبدو أن هذه الدعوات كلّها لامست أسماعهم ولكنها لم تلامس إرادتهم، كي لا نقول «نخوتهم»، فهذا المفهوم غير موجود في قاموس السياسة، لا البارحة ولا اليوم .

تصريحات وزير الدفاع الأميركي أتت في سياق طلب كندي. القوات الكندية المتواجدة في جنوب أفغانستان هي في وضع صعب وترسل ما يشبه نداء «الاستغاثة» بعد أن بلغت خسائرها ما يقارب الثمانين قتيلا.بل وهددت بالانسحاب من منطقة قندهار إذا لم يقم الحلف الأطلسي بإرسال قوات دعم قوامها ألف جندي إضافي على الأقل. واشترطت بقاءها حيث هي حتى عام 2011 بتنفيذ هذا المطلب.

من المفيد هنا التذكير أن الجنود الأميركيين والبريطانيين والكنديين هم الذين يتواجدون في جنوب أفغانستان حيث المواجهات الدموية أكثر وأشرس مما هو في الشمال حيث يتواجد الألمان والفرنسيون والإيطاليون والبولنديون وغيرهم. «تقسيم العمل» هذا، اعترض عليه وزير الدفاع الأميركي نفسه بإعلان خشيته من أن يصبح الحلف الأطلسي تحالفا يسير بسرعتين، من جهة هناك الذين يقاتلون، ومن جهة أخرى أولئك الذين يصرّون على الابتعاد عن ساحات المعارك. وأشار إلى ألمانيا، دون أن يسمّيها بالقول «لا ينبغي أن يكتفي بعض الحلفاء بالخيار المريح وعدم مشاركتهم سوى بالعمليات المدنية بينما يخوض الآخرون المعارك ويواجهون الموت».

ألمانيا أعلنت رفضها القاطع والمانع اشتراك قواتها في العمليات الحربية الأطلسية في جنوب أفغانستان. الرأي العام الألماني كان شديد الوضوح في رفضه لمشاركة الجنود الألمان في عمليات عسكرية خارج الحدود، ولم تشارك ألمانيا في حرب الخليج الأولى وكانت إحدى «دول الرفض» إلى جانب فرنسا، لحرب العراق القائمة منذ ربيع عام 2003، و كانت أول مشاركة خارجية لها هي في الإطار الأطلسي ضد صربيا عام 1999 و «دون قناعة» كبيرة. بالنسبة لأفغانستان أظهر استطلاع أخير للرأي أن 55 بالمئة من الألمان يعارضون مشاركة جنودهم في أفغانستان و86 بالمئة منهم ضد انتقالهم من الشمال إلى الجنوب.

لقد كانت ردود أفعال البرلمانيين الألمان عنيفة ضد تصريحات وزير الدفاع الأميركي غيتز، وتجدر الإشارة أن أية مشاركة للجنود الألمان في عمليات خارج الحدود تتطلب مصادقة البرلمان ـ البندستاغ ـ على ذلك، مع تجديد المصادقة سنويا، باختصار ألمانيا مأخوذة بين نارين: دروس التاريخ القريب ورغبة تأكيد الحضور على المسرح العالمي.

ألمانيا إذن رفضت تلبية «النداء» الصادر عن الكنديين من «الجبهة» في جنوب أفغانستان. وفعلت مثلها بولندة. ولم تجب إسبانيا وايطاليا وهولندا بشيء. وحدها فرنسا قبلت المبدأ، لكن دون أي تحديد للعدد ولم تؤكّد أنها سوف ترسل جنودها قبل شهر ابريل المقبل الذي سيشهد مطلعه قمة الحلف الأطلسي في بوخارست. بكل الحالات يبدو أن الرئيس الفرنسي يريد أن يلعب دور «التلميذ النجيب» حيال الأطلسي وأن تكون فرنسا «المقدامة» التي تلبي نداء الحلفاء هي ركيزته الأوروبية الأساسية.

في محصلة الوضع القائم على الأرض يبدو بوضوح أن هناك شرخا حقيقيا في «جسد» الحلف الأطلسي الذي لا ينمّ عن أية حيوية وإنما عن الافتقار للإمكانيات وللإرادة السياسية. وهذا الأمر له دلالاته الكبيرة في أول مهمة يقوم بها خارج حدود أوروبا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

لكن، وفيما ما هو أبعد من المؤشرات الحالية للحالة الأطلسية في أفغانستان، هناك شرخ أعمق في مفهوم الحلف نفسه، الأوروبيون يريدونه تحالفا دفاعيا قائما على أساس التساوي بين الشركاء بينما يرى به الأميركيون في واقع الأمر أداة لمساعدة سياستهم الدولية. هذه السياسة انتحت منذ 11 سبتمبر منحى استخدام القوّة في كل الاتجاهات تحت شعارات مختلفة تتراوح من نشر الديمقراطية حتى محاربة الإرهاب.

الأميركيون والأوروبيون يتباينون كثيرا في المواقع والمصالح وحتى في رؤيتهم للعالم. تباين في الإرادات، كي لا نقول في «المنشأ» مثلما عبّر ذات يوم روبرت كيغان، المنظّر الأميركي المعروف والخبير الكبير في السياسة الأميركية الخارجية، عندما قال أن الأوروبيين «جاءوا من كوكب الزهرة »، رمز الحب، بينما «جاء الأميركيون من كوكب المرّيخ»، رمز الحرب.

بالنسبة لأفغانستان، من الواضح أن الأوروبيين لا يريدون الانخراط أكثر في عملية تبدو لهم أنها مهددة بالفشل، هذا إذا لم تكن قد فشلت أصلا، وحتى عتاة الأطلسيين من الأوروبيين، وعلى رأسهم البريطانيين، ليسوا متحمسين.ثم لا شك أن الإستراتيجية الأميركية في أفغانستان مشوشة جدا منذ البداية. فهي ليست واضحة الأهداف ولا التصوّر من حيث مدة تنفيذ المهمة.

إذا كان الأميركيون يبحثون عن مواقع تقرّبهم من آسيا الوسطى ومصادر الطاقة، ومن «الأصدقاء اللدودين» في روسيا والصين، فإن للأوروبيين نفس الأهداف تقريبا ولكن بوسائل مختلفة عن منطق القوّة الذي تخلّوا مرغمين عنه. الأميركيون متشبثون بأفغانستان لاسيما بعد أن اهتزت مواقعهم في آسيا الوسطى، وباكستان،الحليفة لهم تاريخيا، هي في وضع قلق و«مقلقل».

ويرى الأوروبيون أن الولايات المتحدة قد أقحمتهم في مغامرة لم تقدّر منذ البداية عواقبها العسكرية والاجتماعية، وهي بذلك ترتكب نفس أخطاء المغامرة العراقية. ففي الحالتين سادت بداية فكرة الحسم السريع ثم بقيت الحرب ودون أي حسم.

المواقف الأوروبية المترددة ليست بعيدة عن الاعتقاد «دون التصريح» أن الولايات المتحدة تتصرّف بصورة «غير مسؤولة» في أفغانستان، كما في العراق. ثم أن أفغانستان أكبر من العراق، وأكثر وعورة من العراق، وطالبان، ومهما كانت أيديولوجيتهم المتطرفة خطيرة، هم أفغانيون مثلما أن العراقيين عراقيون.. وأن مصير أفغانستان، كما مصير العراق، لن يتم تقريره بتدخل خارجي، مهما كان مصدره.

في إحدى افتتاحياته كتب المعلّق وليام بفاف في الهيرالد تريبيون بتاريخ 22 مايو 2007 يقول «ستكون أفغانستان،كما يبدو، مقبرة الحلف الأطلسي». كانت بكل الأحوال قد استعصت على جميع الغزاة، السوفييت في الأمس وجيش الإمبراطورية البريطانية قبلهم. فهل تكون نتيجة الحلف الأطلسي أفضل في الامتحان الأفغاني الذي تمرّ به؟

من حق أفغانستان أن تقرر مصيرها بعيدا عن «مطرقة» التدخلات الخارجية و«سندان التطرّف». لكن متى؟

كاتب سوري ـ باريس