القمم العربية هي منذ سنوات عديدة عبارة عن منابر لتلاقي القادة العرب. ومهما كان هذا التلاقي مثمراً أم بارداً فان مجرد عقد قمة عربية في أي مكان من الوطن العربي وحضور القادة العرب فيه هو في الحقيقة تقليد عربي يدل شكلاً على أن العرب ملوكاً او رؤساء يحترمون فكرة التجمع في إطار قمة ما والتباحث في القضايا العربية التي هم في الواقع لا يملكون أغلب مفاتيحها ولكن على الأقل يحاولون إيجاد مخارج للأزمات المتفجرة آنيا أو مستقبلياً.
قمة دمشق تواجه تحديات جمة بل تعد واحدة من أعقد القمم العربية التي يشهدها العرب منذ مطلع الألفية ليس فقط لأنها سوف تنعقد في بلد يواجه غضبا أميركيا غير مبرر وليس لأنه متهم بتهم ليس فيها دليل أو جناة. بل كذلك لأن كل دراما الأحداث في المنطقة العربية سائرة نحو التعقيد.
حصار غزة الذي صار داءً مزمنا وحرائق لبنان التي لا تكاد تنطفئ في شارع حتى تشتعل في آخر، وسياسيون يتبادلون التهم، أما العراق فهي قضية تأبى أن تكون قريبة من أو راغبة في الحل العربي. ولو فرضنا جدلا ان هذا هو حال الظروف التي عقدت في أتونها كل القمم العربية او معظمها وربما أن بعض القمم عقدت في وسط النيران العربية - العربية وفي أحلك مواقف الشقاق العربي.
إلا أن قمة دمشق معقدة ليس فقط لظروف القضايا العربية المعقدة بل وكذلك لان جوا من عدم الثقة وانعدام الشفافية والاتصال المباشر يسود بين دمشق والأطراف العربية المؤثرة خاصة وان الكثير من الأطراف العربية والدولية تتهم دمشق بأنها طرف في اهمم القضايا العربية التي ستطرح على طاولة القمة المزمع عقدها سواء القضية اللبنانية او القضية العراقية التي تتهم الولايات المتحدة دمشق بأنها طرف في دعم الإرهاب في العراق.
إضافة إلى مسار دمشق المغلق في القضية الفلسطينية وخاصة عملية السلام أو المبادرات العربية لحل القضية الفلسطينية سلميا. وعليه فإن قمة دمشق مهددة بأن تكون خالية ليس فقط من حضور القمم العربية الرئيسية خاصة بعد ان أعرب سياسيون في الرياض والقاهرة عن احتمال عدم حضور العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز والرئيس المصري حسني مبارك.
وكذلك إعراب العاهل الأردني الملك عبدالله على ضرورة التريث في قمة دمشق لحين التأكد من الإعداد الجيد لها. والواقع ان مواقف الدول العربية هو انعكاس لرغبة أكثر الدول العربية ان تمارس سوريا دورها في الضغط على حلفائها في لبنان لحل أزمة الرئاسة اللبنانية التي تعد سوريا المتهم الأول فيها.
سوريا من جانبها، وعلى لسان وزير خارجيتها وليد المعلم، تمنت أن تكون القمة فرصة لحل الإشكالات العربية، ومن بينها إشكالية انتخاب رئيس لبنان الجديد، وأن تؤدي إلى مزيد من التضامن العربي. وليس بخافٍ أن سوريا تتطلَّع إلى رئاسة القمة العربية، ولمدة عام، وتتطلَّع أيضا إلى أن يُشارك فيها غالبية القيادات العربية، إن لم يكن كلها. فبقدر الحضور يقدر النجاح الرمزي واكتساب المكانة، وأيضا بقدر الردّ على مقولة عزل سوريا عربيا.
عموما القمة في دمشق مهددة بأن تكون مفرغة من حضور الزعامات العربية الرئيسية كما أسلفنا. وكذلك مهددة من ان تكون مفرغة من التأثير بقرارات عربية حاسمة في هذا الظرف الراهن والأكثر انها قد تكون مهددة بالإحباط حتى قبل انعقادها.
ولكن مع هذا فان الجانب السوري لايزال يملك الوقت للقيام بدبلوماسية فاعلة تهديء المخاوف العربية وتقلب الحسابات على الأقل في ما يتعلق بقضية الرئاسة في لبنان وباقي القضايا الرئيسية او على الأقل ان تمهد الطريق لإمكانية التفاوض مع الدول العربية الكبرى حول إمكانية إيجاد حلول توافقية محايدة للأزمات في المنطقة.
كما وأن الأطراف العربية أيضا تمتلك الوقت لمراجعة حسابات الموازنة بين الاختلافات البينية والمصلحة العربية الكلية وبمعنى آخر بين الشك في الموقف او المواقف التي تتخذها دولة عربية وبين اليقين بان مصلحة الأمة ان تبدو على الأقل أمام العالم على أنها أمة تمتلك منبراً يجمعها وان هذا المنبر المتمثل بالجامعة العربية والقمة العربية هو تقليد ضروري يجمع النقاش مهما كان نوعه او تناقضاته ولا نتذكر قمة عربية خلت من التناقضات والمجادلات.
وبالتالي فليس من الصحي ان تنتشر الإيحاءات بأن قمة دمشق سوف تواجه عزلا عربيا او غياب الوجوه العربية الكبيرة ذات الثقل والتأثير فذلك الأمر وان كان قد يشكل ضغطا على بعض الأطراف كي تعمل بجدية لحل القضايا العالقة فانه في الوقت ذاته قد يكون ضارا على شكل التحالف العربي وبعبارة أخرى خسارة طرف عربي مهم مثل دمشق وجعله يبحث عن وسط إقليمي آخر للتحالف أكثر تقبلاً وانسجاماً.
كاتبة عراقية