منذ ميلاد اتحادها، بقيادة خالدي الذكر زايد وراشد وإخوانهما حكام الإمارات السبع، وحتى اليوم، عرفت دولة الإمارات العربية المتحدة بمواقفها القومية التاريخية المشهودة في مفترقات الطرق الكبرى، وبسياساتها الوحدوية المبدئية الثابتة في الدوائر الخليجية والعربية والإسلامية.

تلك السياسة العابرة للأزمات، بديناميكيتها في حل الخلافات، بالتقريب بين المواقف لمعالجة التصدعات، والالتفاف حول المشتركات، ورص الصفوف لمواجهة التحديات، لتأكيد الوحدة الوطنية في كل بلد عربي، والوحدة القومية بين العربي وأخيه العربي، وتجسيد التضامن الإسلامي العربي، استمرت ملمحاً للإمارات بقيادة الخلف القائد للسلف الرائد، صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد، و صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد.

كانت تلك السياسة ولا تزال تنطلق من إدراك واضح بأن اليد الوحيدة لا يمكن أن تصفق، وأن الرماح إذا اجتمعت لا يمكن أن تنكسر، لكنها إذا تفرقت تكسرت واحدة تلو الأخرى، وأن ما يجمع العرب والمسلمين أكبر بكثير مما يفرقهم، وأنه من خلال التحدي علينا أن نحقق الوحدة، وبالوحدة نستطيع أن نحقق القوة والنهضة والنصر.

من الإمارات، هذا الصرح الاتحادي الشاهد على أن الاتحاد العربي والتضامن الإسلامي العربي ممكن، بل هو الممكن الوحيد لتجاوز ما نحن فيه إلى ما نتطلع إليه، انطلقت الزيارة التاريخية لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لإيران وسوريا، من أجل تأكيد التضامن والتكامل العربي، وسعياً لاستعادة الوحدة الوطنية في القضايا العربية في فلسطين والعراق ولبنان، عبوراً على الخلافات، وإذابة للحساسيات، وتبديداً للأوهام.

إن النتائج الإيجابية التي تحققت من هذه الجولة بدت للمراقبين مثل الاختراق المضيء للغيوم، والرسائل التي حملتها تصريحات القادة بعد لقاء صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مع أخيه الرئيس محمود أحمدي نجاد في طهران، بدت مطمئنة بأن إيران دولة مسلمة وجارة وصديقة، وأن البرنامج النووي الإيراني الذي تصر إيران على سلميته لا يشكل أي تهديد للدول العربية الخليجية، وأن الزيارة تسهم في تعزيز العلاقات بين البلدين الجارين.

بينما كانت الزيارة إلى سوريا ولقاؤه الأخوي في دمشق مع شقيقه الرئيس بشار الأسد إيجابية للغاية في السعي لاجتياز أية عقبات على طريق التضامن العربي، وصولاً إلى تهيئة أفضل المناخات العربية لإنجاح القمة العربية المقبلة التي يتطلع الشعب العربي لأن تكون قمة استعادة التضامن العربي.

وإجلاء وتقريب وجهات النظر حول ملفات الأزمات العربية في فلسطين والعراق ولبنان فيما يتعلق باستعادة الوحدة الوطنية، إضافة إلى تعزيز التكامل الاقتصادي بين الإمارات وسوريا الشقيقتين، ومن حسن الطالع أن يأتي ختام الزيارة الإماراتية عشية ذكرى مرور 50 عاماً على الوحدة المصرية السورية.

وفي الطريق السياسي الصعب من القمة الثالثة والثلاثين في الرياض، إلى القمة الرابعة والثلاثين التي يجب أن تجتمع في دمشق، وفي ظروف استثنائية وغير عادية، سيتحدد مدى قدرة القيادات العربية على تجاوز الاختبار السياسي الصعب بما يلامس مستوى القمة.

وبما يعكس إرادة القاعدة الشعبية العربية في ضرورة الاستفادة من التحدي بالإصرار على تحقيق الوحدة، لأنه بغير الوحدة لا يمكن تحقيق النصر.. أي نصر.

وهناك أكثر من علامة مضيئة على طريق القمم العربية تبقى ماثلة في الذاكرة العربية، دافعة ورافعة لاجتياز العقبات، وملهمة وملزمة للاستجابة للتحديات الداخلية والخارجية الحالية التي تضع الأمة العربية أمام أعقد مفترق للطرق في تاريخها الحديث.

وبغير استدعاء للذاكرة التاريخية البعيدة والقريبة، تفقد الأمة العربية رصيدها من الدروس الكبيرة الماضية بإيجابياتها وسلبياتها، في مواجهة التحديات الخطيرة الحاضرة بغيومها واشراقاتها، وفي رسم معالم طريقها إلى شكل المستقبل الذي تتطلع إليه شعوبها، للاستفادة بتجاربها الغنية، المرة والحلوة.

خصوصاً من دروس قدرتها على التعامل مع الأزمات، وفي دروس مهارة قادتها في كيفية السير عند المنحنيات، حتى لا تضطرب بوصلتها السياسية في تحديد وجهتها الجماعية نحو أهدافها الأصلية.

mamdoh77t@hotmail.com