تنزع الأديان بطبعها إلى السياسة، من منطلق انطوائها على تصور متكامل للحياة. وخبرة التفاعل بين معطيات الواقع ونصوص الأديان، تجعل من الضروري التفرقة بين أمرين في هذا المضمار، الأول هو «تديين السياسة» والثاني هو «تسييس الدين».

فالأول يبدو مقبولا، إذ إن وضع إطار قيمي أخلاقي، ينبع من الدين أو حتى من التقاليد والأعراف الحميدة السائدة، من أجل تهذيب حركة السياسة، وإبعادها عن التوسل بالتلاعب والمخاتلة والخديعة، كان، ولا يزال، مطلبا تجاهد الفلسفة السياسية في سبيل بلوغه.

أما الثاني فيجب رفضه على الإطلاق، فإضفاء صفة الدين على ممارسات سياسية، يضر بالدين والسياسة معا، لأنه ينتج في نهاية المطاف ألوانا سياسية متعددة من التلاعب الملفوظ بمصالح الناس وعقولهم، وتأويلات دينية ملفقة تضر بفقه الواقع، لأنها تقدم مصالح فئة بعينها على أنها رؤية الدين الوحيدة التي تنطوي على صواب مطلق.

وقد فرضت تداعيات ما بعد 11 سبتمبر مزاوجة، متعددة الأبعاد والرؤى، بين الإصلاح السياسي والإصلاح الديني، تزامنت مع طفرة ملموسة في الكتابات والدراسات المرتبطة بسوسيولوجيا الأديان، مع تنامي «المد الأصولي» في العالم بأسره، ما أعاد تشكيل جزء لا يستهان به من العلاقات الدولية على نمط جديد من الصراعات، التي يتداخل فيها الديني والحضاري مع الإثني والقومي.

وهذه المسألة تفشت بشكل مرضي لم يصب العرب والمسلمين فحسب بل أصاب العالم بأسره، وفي مطلعه الولايات المتحدة الأميركية التي وصلت إلى سدة السلطة فيها مجموعة تنتمي إلى اليمين المسيحي المتصهين.

وظفت تصورا خاطئا للدين يقوم على «الحتمية التاريخية» والتصور المغلق للعالم، والتزمت وضيق الأفق حيال الآخر، في خدمة أهداف سياسية، أو استغلت الإمكانات السياسية والعسكرية للدولة الكبرى في عالمنا المعاصر لتحقيق هذه الأيديولوجية الدينية، فخلفت وراءها ضررا بالغا، ما زال العالم يجني ثماره المرة حتى هذه اللحظة.

على هذه الأرضية العامة التي تختلط فيها الأفكار بالأنشطة والأقوال بالأفعال، يؤسس بعض المفكرين والباحثين العرب تصورهم للعلاقة الراهنة بين الدين والسياسة، ويرسمون ملامح ما استجد في هذه العلاقة الشائكة.

ويجتهدون كثيرا ليجعلوا إنتاجهم المعرفي يكافئ واقعا معقدا وسريع التغير، ومن ثم زاد الحديث واستفاض حول دور الدين في ترتيبات العولمة وتفاعلات العلاقات الدولية، وتدفقت الأدبيات التي تتحدث عن علاقة الإسلام بالحداثة والديمقراطية، عبر رصد المسارات التي سلكتها الحركة الإسلامية الراهنة.

خصوصا الفصيل الراديكالي منها، لتبني مسوغات تنشد براهين منطقية لضرورة «الإصلاح الديني والسياسي» معا، والذي يبدو مسألة حتمية لمواجهة مشكلات الاندماج القومي وتحقيق «الوحدة الوطنية»، في عالمنا العربي، الذي يتصف العديد من دوله بفسيفسائية اجتماعية، ينتجها تعدد العرقيات والأديان والمذاهب فضلا عن اللغة في بعض الحالات.

ومن بين الكتابات الناصعة في هذا المجال كتاب «سياسات الأديان: الصراعات وضرورات الإصلاح»، للمفكر المرموق المهتم بعلاقة الظاهرة السياسية بالأنساق الدينية والاجتماعية، الأستاذ نبيل عبد الفتاح. فهذا الكتاب يبدو في هيئته ومضمونه محاولة لسد فراغ أكاديمي عربي في مجال الدور الذي تلعبه الأديان في العلاقات «الكونية»، وهو حقل معرفي لا يزال البحث فيه محدودا.

ويتشكل عبر المؤتمرات العلمية والسياسية التي تعقد غالبا في شمال العالم. من هنا آلى الكاتب على نفسه أن يدفع حصيلة جهده، المتوزع في مقالات ودراسات نشرها في العديد من الصحف والدوريات العربية وشارك ببعضها في محافل علمية أجنبية، لتصب بين دفتي هذا الكتاب، الذي يحاول به أن يسهم في إدارة التنوع والتعددية داخل مكوناتنا القومية في إطار إنساني رحب، ومجابهة الخلل في أنظمة التعليم الديني والمدني العربية، وفي إعلامنا وثقافتنا ونظرتنا للعالم ولأنفسنا، في سبيل تحرير ذواتنا من الأساطير والأوهام التي يعاد إنتاجها عبر الزمن.

ورغم أن الكتاب يكرس الأغلبية الكاسحة من صفحاته للحالة المصرية، فإنه يقدمها في صورة تتعدى صبغتها المحلية، لتنطبق في جوانب عدة منها على الحالتين العربية والإسلامية بوجه عام، اللتين يمكنهما الاستفادة من تجاوز المؤلف تشخيص الداء إلى وصف الدواء، إذ لا يكتفي بالتحليل النظري والإمبريقي لما يجري في الواقع المعيش، بل يطرح بعض تصورات يحاول عبرها أن يحل المشاكل القائمة، ليدحض أي توجه للتقليل من جهده بدعوى أنه ينزع إلى النقد دونما تقديم حلول واقعية ممكنة التطبيق.

وهذه النزعة إلى التعميم امتدت من عنوان الكتاب «سياسات الأديان» ـ مع أن ما فيه اقتصر في الأغلب الأعم على التجليات السياسية / الاجتماعية للإسلام ـ إلى موضوعاته المتتابعة في تسلسل لا يفتقر أبدا إلى المنطق، لتتناول، بأسلوب لغوي رصين يخاطب النخبة الفكرية أساسا، دور الدين في العلاقات الدولية.

والحوار بين دول البحر المتوسط، وموقف الجماعات الإسلامية الراديكالية من عولمة «الأمن»، ورؤيتها لقضايا الديمقراطية والتنمية والتحديث، في ضوء التجربة البرلمانية للإخوان المسلمين، و«التطبيب الاجتماعي» الذي تقوم به الجمعيات الأهلية الإسلامية، ثم يقفز إلى قضايا مطروحة بشدة في الوقت الراهن مثل «تجديد الخطاب الديني» و«الحوار بين الأديان» وموقف المسيحيين العرب.

خصوصا أقباط المهجر، من «الحملة الغربية ضد الإسلام»، ويخرج منها إلى قضايا سياسية صرف مثل «تنمية الثقافة السياسية في مصر»، و«المتاهات» التشريعية التي تصم الحياة القانونية المصرية، ومسائل الإصلاح الديمقراطي والانتخابات، وأخيرا «سياسة الأمن في العالم العربي».

وعموما فإن الكتاب ينهل من المعين نفسه الذي سطر منه نبيل عبد الفتاح كتبه، وفي مقدمتها «المصحف والسيف» و«النص والرصاص» و«عقل الأزمة» و«اليوتوبيا والجحيم» و«خطاب الزمن الرمادي» و«الوجه والقناع»، ليضيف لبنة جديدة إلى بناء معرفي عربي، لا يزال خفيضا، في حقل سوسيولوجيا الأديان الذي انفتح الآن على مدى واسع، تجاهد القرائح والأفهام من أجل سبر غوره في معاهد علمية عريقة تتوزع في الأرجاء كافة.

ولا يدعي أحدها ـ حتى هذه اللحظة ـ أنه قد أمسك بنماذج إرشادية أو مقاربات منهاجية محددة، تساعد في تقديم حل ناجع لما يواجهه النظام الدولي حاليا من إرهاب، تقوم به دول وتنظيمات، ما جعل العالم يتردى من التفكير في «حكومة عالمية» و«قانون دولي إنساني» و«حوار حضاري»، إلى حال من الفوضى والتجبر تكاد أن تعيد الإنسانية برمتها إلى شريعة الغاب.

وما جاء في هذا الكتاب، وكتب أخرى مماثلة ظهرت في السنوات الأخيرة ـ مثل كتاب جيل كيبل «جهاد: انتشار وانحسار الإسلام السياسي» وكتاب بشير محمد الخضرا «النمط النبوي الخليفي في القيادة السياسية العربية.. والديمقراطية» ـ يطرح علينا السؤال القديم المتجدد حول العلاقة المتبادلة بين الفكر والفقه الإسلامي والتنظير والممارسة السياسية على حد سواء.

بل يحيلنا إلى ما هو أبعد من ذلك متمثلا في الدور الذي لعبته السياسة بصفة عامة في انتهاك حرمة الأديان والجور على المقدسات والتجرؤ على جلال النصوص الإلهية، وكيف أن السياسة بدت في كل العصور بموقع السوس الذي نخر في فهم الناس لروح الدين ومقصده، فوقعوا في البؤس والشقاء، مع أن الدين نزل لإسعادهم وتحقيق مصالحهم.

ورغم أن التحذيرات من جور السياسة على الدين قديمة قدم الفكر الإنساني نفسه، فإن أحدا لم يتعظ، ولم يفهم كثيرون منا الهواجس التي كانت تنتاب الأستاذ الإمام محمد عبده وهو يلعن «ساس ويسوس»، ولم نمعن النظر في العبارة الأثيرة التي كان نجيب محفوظ يختتم بها كل فصل من فصول روايته المثيرة للجدل «أولاد حارتنا» بقوله: «لكن آفة حارتنا النسيان».

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة