عشية الموعد رقم 14 لجلسة البرلمان اللبناني، المقررة لانتخاب رئيس جمهورية جديد؛ اشتعلت، كالعادة، جبهة التراشق بين القوى السياسية المتصارعة. القذائف ذاتها: تصريحات ناريّة وحزمات من الشروط والشروط المضادة. ومع أن نبرة الخطاب تصعّدت ومفرداته تعنّفت أكثر من أي وقت مضى؛ إلا أنها ليست غريبة عن البضاعة المألوفة، في سوق الأزمة اللبنانية.

لكن ما كان في خانة غير المألوف وبالتالي في خانة الصدمة ـ الإنذار؛ هو ما صدر وتوالى من إشارات وتحذيرات، أطلقتها جهات غير لبنانية؛ معروفة بحرصها على ضرورة خروج البلد من أزمته المستفحلة؛ بأسرع ما يمكن.

المعلوم أن هذه الجهات اعتادت على لغة التفاؤل، في تعاطيها مع الأزمة اللبنانية. فجأة اتخذت خطوات ـ نصيحة لرعاياها بعدم السفر إلى لبنان وإقفال مراكز ثقافية في مدن لبنانية ـ توحي، بالرغم من أنها جاءت على سبيل «التحوّط».

كما وصفها أصحابها، بأن الأوضاع في لبنان تسير نحو المحظور. أو على الأقل أنها باتت مرشحة أكثر من أي وقت مضى، للانزلاق، بهذا الاتجاه. الخروج بهذا الاستنتاج، يمليه أن أصحاب هذه الخطوات على معرفة واطلاع واسعين بتفاصيل التعقيدات والانسدادات، في الأزمة اللبنانية.

كما على معرفة بالاحتمالات والأجواء السائدة. تلا ذلك كلام، لأول مرة ومن على منبر دولي؛ بأن التفاعلات وضعت البلد «على شفا حرب أهلية». توصيف علني غير معهود، للطور الذي بلغته الأزمة اللبنانية.

وبذلك فهو رسالة صارخة برسم اللبنانيين، بكافة مشاربهم؛ بأن الخطر داهم فعلاً؛ وبأن صحوة، ولو بالحدّ الأدنى، باتت بمثابة الأمر المحتوم الذي لا غنى عنه؛ إذا ما كان المطلوب والمنشود ردّ لبنان وسحبه من على حافة الهاوية. الفرصة متوفرة والإطار حاضر؛ من جديد.

أمين عام الجامعة العربية، عمرو موسى، يصل اليوم إلى بيروت، حسب ما هو متوقّع. فريق معاونيه بدأ لقاءاته مع القيادات اللبنانية، منذ أمس الأول. مصادر عربية نسب إليها قولها ان هناك «بصيص أمل في أن تفلح زيارة موسى في تحقيق انفراج؛ هذه المرة».

أي في أن تنعقد جلسة مجلس النواب، المقررة يوم 26 الجاري؛ لانتخاب الرئيس التوافقي؛ العماد سليمان. وتردد أيضاً بأن «هناك استعدادا ورغبة، في حل الأزمة، لدى الفرقاء اللبنانيين؛ وأن يذهب لبنان إلى القمة العربية في دمشق وعلى رأس وفده رئيس للجمهورية».

كلام يحلو سماعه. والمأمول أن يلقى، هذه المرة، ترجمته يوم 26 الجاري. المبادرة العربية على الطاولة، من جديد. الكل ارتضى بها كإطار. الشيطان كان في التفاصيل. منسوب الاحتقان الداخلي واقتراب موعد القمة؛ فضلاً عن هشاشة الحالة الأمنية؛ كله يكاد يطلق صرخة مدوّية بوجوب عدم تفويت هذه الفرصة.

لا لبنان بمقدوره الاستمرار تحت وطأة هذا المأزق الخانق؛ ولا عامل الزمن عاد يسمح بالبقاء فريسة لهذه الدويخة. البديل «شرّ مستطير»، كما صنّفه مرة رئيس المجلس النيابي اللبناني. ولا يبدو أن هناك غير هذا البديل إذا لم تستجب القيادات اللبنانية لهذه الصرخة.