إن رغبات الشعوب المقهورة والمغلوب على أمرها، لا سيما الواقعة تحت الاحتلال، في الخروج من سجن القهر والاستبداد والمعاناة، تبقى حبيسة الصدور ولا تتجاوز الأماني والأحلام ما لم تكن هناك إرادة قوية ووسائل وقوى، تحيل الأمنيات والأحلام إلى واقع.
وحلم الكوسوفيين باستقلال بلادهم الذي تحقق بعد معاناة طويلة ومريرة، لا يعبر فحسب عن إرادة مريديه والعمل الدؤوب الذي بذلوه حياله، وإنما يدل على أن القوى الفاعلة، التي كانت تقف وراءه، عندما تريد أن تفعل شيئًا لمساعدة الواقعين تحت الظلم، فلا شيء يمنعها عن ذلك، ما دامت هناك مصالح يمكن أن تجنيها.
ولطالما راود الفلسطينيين حلم الاستقلال عن ربقة الاحتلال الإسرائيلي الذي لا يزال جاثمًا على قلوبهم وصدورهم، يسرق منهم الأرض كل يوم وفي وضح النهار، ويحجب عنهم الماء والدواء والغذاء وحتى الهواء، لا يعطيهم منها إلا بقدر ما يعطيه الفرصة ليتلذذ بعمليات القتل والاغتيال وإراقة الدماء، ويمتع آذانه بأصوات نحيب النساء الثكلى والأطفال اليتامى، وينظم حفلات رقص لجيشه على جثث الشهداء، ولم تنجح كل المبادرات والاتفاقيات والمؤتمرات بوعدها ووعيدها تحت ستار (عملية السلام) في تحقيق بند من بنودها لصالح الضحية، بل جُيِّرت كل البنود لخدمة الجلاد، وتحت نظر وسمع رعاتها.
طبعًا هناك فرق بين حلم الكوسوفيين الذي كان وحلم الفلسطينيين الآن، فالكوسوفيون عملوا منذ الوهلة الأولى على بقاء صوتهم موحدًا وناضلوا من أجل أن يوصلوا هذا الصوت إلى المجتمع الدولي ويوظفوه لاستمالته، مستفيدين من بعض المتغيرات السياسية والظروف الراهنة بين أقطاب المجتمع الدولي، وتوظيف لعبة السياسة والمصالح لخدمة قضيتهم.
غير أن الأمر بالنسبة للوضع الفلسطيني يختلف تمامًا، حيث إنه ليست هناك إرادة حقيقية جادة من قبل المجتمع الدولي في تحقيق سلام شامل في المنطقة ينهي الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، بل كل المؤشرات تؤكد أن ما تم الإعلان عنه من قبل الرئيس الأميركي جورج بوش بتوقيع اتفاق سلام بنهاية هذا العام وقيام دولتين فلسطينية وإسرائيلية تعيشان جنبًا إلى جنب، يسير في الاتجاه المعاكس، فإسرائيل تكرس الآن كل وسائلها لاستغلال عامل الوقت لصالحها، وذلك بتسريع وتيرة الاستيطان في الضفة الغربية والقدس وبناء الجدار العنصري، وتعمل على الالتفاف على ما تم الاتفاق عليه في مؤتمر أنابوليس بوقف عمليات الاستيطان، بإلهاء العالم بصواريخ بدائية الصنع وغير مؤثرة تنطلق من قطاع غزة، وطلب التأييد لتنفيذ عملية اجتياح للقطاع.
ومما ساعد إسرائيل على ذلك حالة الاقتتال غير المسبوقة بين الفلسطينيين التي تحاول تكريسها بينهم، لتستفرد بهم قتلاً وتشريدًا، وتدعي أنهم غير مؤهلين لأي تسوية بعد ، يترافق مع هذه الحالة المأساوية شلل الموقف العربي وعجزه عن وضع حد لها، بل مطلوب منه أن يبقى بعيدًا عن أجواء المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ويعترف بما تم تغييره على الأرض من جغرافية وحدود، ولهذه الأسباب كلها يظل حلم الاستقلال الفلسطيني بعيدًا بعيدًا بعيدًا.
