يحبس العالم أنفاسه في متابعة الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لاختيار مرشح الحزب لخوض معركة الرئاسة الأميركية ، فهذا الماراثون من الانتخابات في عدة ولايات يحفل بكل أنواع الإثارة والديناميكية السياسية والأهم من ذلك أنه يعكس قناعات جديدة الناخب الأميركي نحو حالة من التغيير من الواضح أنها مرتبطة بالنتائج الكارثية لسياسات المحافظين الجدد منذ ,2001

المنافسة الحامية بين المرشحين باراك أوباما وهيلاري كلنتون تحمل الكثير من عناصر التغيير في السياسة الأميركية. أول هذه العناصر أن الحزب الديمقراطي سوف يطرح للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة مرشحا من أصول افريقية أو مرشحة إمرأة للسباق النهائي نحو البيت الأبيض ، وبزخم هائل من التأييد يجعل ايا منهما أقوى فرصة من المرشح الجمهوري.

وإذا كانت المرشحة كلنتون قد التزمت بالقناعات التقليدية للحزب الديمقراطي وللمؤسسة السياسية الأميركية بشكل عام فإن ما يطرحه أوباما هو موجة من التغيير الإيجابي والتي نتابعها نحن في العالم العربي بمزيج من الإعجاب والترقب.

من سابق الأوان التحدث عن فرص فوز أوباما منذ الآن في سباق البيت الأبيض بالرغم من الانتصارات المتتالية والمدهشة التي يحققها في الولايات المختلفة ، ولكن مثار الإعجاب هو حقيقة أن هذا الرجل من أب كيني وأم أميركية وارتباطات عرقية إندونيسية ويحمل اسما غير مألوف في الأطار العرقي للسياسة الأميركية (باراك حسين أوباما) قد تمكن من حشد الملايين وراءه وتمكن من طرح أفكار ورؤى لم يكن من الممكن تخيلها في الولايات المتحدة منذ بضع سنوات.

نحن نعرف تماما أن المؤسسة السياسية والعسكرية الأميركية هي في النهاية تحمل توجهات معادية للطموحات العربية وخاضعة لتأثير اللوبي الصهيوني وهذا ما قد يؤثر سلبيا على فرص أوباما عندما تحين ساعة الحقيقة ، كما حدث في انتخابات 2000 في ولاية فلوريدا بالذات من ترجيح مشبوه لكفة جورج بوش على آل جور.

ولكن هذه الانتخابات ساهمت في إزالة الصورة السلبية حول الشعب الأميركي الخاضع لتأثير المحافظين الجدد والإعلام المنحاز والتعصب الديني والجهل بأحوال العالم خارج الحدود الأميركية.

هذا الزخم الكبير في حملة أوباما والنتائج التي يحققها قد تكون ساهمت في إنشاء تيار عريض من الأميركيين الشباب من توجهات وأعراق مختلفة راغبين في التغيير وفي رؤية العالم بطريقة اشمل وفي اختبار أفكار جديدة تتجاوز تقليدية عنجهية القوة التي استخدمها معظم الرؤساء الأميركيين في العقود الأربعة الأخيرة ربما باستثناء جيمي كارتر وبيل كلنتون. ومن المثير للانتباه ايضا أن سباق المنافسة في الحزب الجمهوري من المتوقع أن ينتهي لمصلحة جون ماكين والذي لا يعتبر تقليديا من صقور المحافظين الجدد وإن كان من المحتمل أن يبقى خاضعا لتأثيرهم في حال فوزه.

في برنامجه الانتخابي أكد أوباما أنه في حال انتخابه سوف يسحب الجيش الأميركي من العراق في مدة أقصاها 16 شهرا ، ويطالب الحكومة والتيارات العراقية بالمصالحة وتحمل مسؤولية إدارة البلاد كما وعد بشن "أكبر حملة دبلوماسية" لانهاء الصراع في الشرق الأوسط والتركيز على حل الدولتين ولكن بدون الدخول في التفاصيل الدقيقة للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي وهذا متوقع في هذه المرحلة التي تتطلب من اي مرشح البقاء على علاقة طيبة مع نفوذ اللوبي الإسرائيلي. وبالنسبة للمواجهة مع إيران أعلن أوباما أنه يفضل "المواجهة الدبلوماسية" لا العسكرية.

في نظر غالبية الناس في العالم العربي تعتبر الولايات المتحدة دولة ساهمت في نسبة عالية من معاناة الشعوب العربية ، ولكن من الصعب تجاهل حقيقة التغيير الجذري الاجتماعي والثقافي الذي يجري حاليا في الولايات المتحدة ، كما من الصعب تجاهل مزايا الديناميكية السياسية العالية للحملة الانتخابية الحالية.

ما يحدث حاليا هو تغير ملموس في قناعات الناخب الأميركي ربما يساهم في نهاية الحملة الانتخابية في وصول أول رئيس يحمل أفكارا تجديدية ، وحتى في حال لم يتم السماح لأوباما بتحقيق الفوز فإن حملته بحد ذاتها تستحق التنويه والتقدير.