مبررات الاهتمام بالانتخابات الباكستانية كثيرة، حيث إنها الدولة الإسلامية الأولى التي امتلكت السلاح والتقنية النووية، وواحدة من كبريات النادي الإسلامي، وهي حلقة وصل في تحرير أفغانستان من السوفيات، وعلاقاتها المتوترة مع طالبان والمتشددين الإسلاميين، ثم إنها عاشت الانقلابات وعجزت عن أن تفصّل نظاماً سياسياً يحميها من التقلبات،وفي الوقت نفسه هي خصم حاد للهند الجارة الكبرى، بينما سياستها مع أمريكا تتراوح بين الدفء، والشتاء النووي الحاد.

هذه القضايا وغيرها، فرضت أن تكون الانتخابات وسيلة الذهاب إلى المعلوم بدلاً من المجهول، لأنه من غير المنطقي أن تبقى باكستان دولة بعدة رؤوس تديرها قوى محلية بأوامر خارجية، ولعل الخروج من مأزق الاضطرابات والتصفيات الجسدية، وانتشار الانقسامات التي تهدد وحدة المجتمع، وهيمنة الجيش على مقدرات الأمن وإدارة شؤون الدولة، تسبَّبت في العديد من التشابكات التي لو تطورت لربما تعصف بأمن هذه الدولة الكبيرة..

التحدي ليس فقط بإيجاد حكومة منتخبة، وإنما بإزالة حوافز الانقلابات عندما لا تتوافق الرغبات بين الحكومة، والقوات المسلحة، ثم إن العالم الآن يتنافس وهي الدولة المحاطة بقوتين عظميين قادمتين، الهند والصين، مايجعلها تفكر بصوت مسموع، بأن الأولوية بعد تنظيم البيت الداخلي واستقراره، هي الالتفات إلى مزايا الاستثمارات الأجنبية، وخلق فرص لاجتذابها طالما تملك الإمكانات البشرية والسوق، والموقع المميز، وهي وسائل نجاح لو استطاعت الحكومة القادمة أن تملأ الشواغر في الوظائف الداخلية للتصنيع والزراعة وبناء هيكل دولة عصرية تدخل في منافسات مع القوى الصاعدة في العالم..

صحيح أن باكستان مرت بظروف صعبة انفصال بنغلاديش، وحروبها مع الهند، وجوار غير مستقر مع أفغانستان، وانتشار التطرف على حدودها، وفي داخلها، لكن حسم هذه الأشياء لا يمكن القفز عليه بالأماني، أو هيمنة العسكر، وإنما هو في توديع هذه الأساليب ووضع مرتكزات لدولة ديمقراطية تواجه واقعها بالحوار قبل الانغلاق، لأن مكوّن هذه الدولة الاجتماعي سهل التفكيك إذا ما انتشر الفساد، وسادت الفوضى لينقسم المجتمع إلى قبائل ومذاهب وأثنيات لا يمكن ربطها بالوطن إلا بديمقراطية تجعل التعايش بين الجميع حتمياً يتفق عليه كل الفرقاء..

أيضاً هناك ملفات كثيرة تنتظر الحكومة القادمة، يأتي على رأسها حل مشكلاتها مع الهند، وتطوير العلاقات مع أفغانستان بحيث يتم اجتثاث بؤر الإرهاب، والقضاء على تجاوزات إدارية ومالية أخلّت بتوازن المجتمع، وأصبحت من الأشياء الطاردة للمستثمر الأجنبي..

وإذا كانت باكستان تملك قاعدة صناعية وإمكانات زراعية، فإنها قادرة على أن تجعل من السياحة، بسبب تعدد مناخاتها وآثارها، أداة للدخل القومي، بشرط أن يكون الأمن مهمة وطنية، وبالتالي فالكاسب من هذه المتغيرات هو المواطن العادي الذي يبحث عن فرص الوظيفة والصحة والعيش الكريم، كبديل عن الانشقاقات والانتماءات لأقصى اليمين واليسار..

باكستان ستدخل الاختبار الأصعب بتجاوز مشاكلها القديمة والسعي لأن تصبح ركناً آسيوياً وإسلامياً في بناء دولة حديثة تعمل على استثمار كل إمكاناتها وقواها البشرية والمادية..