قد يمثل مؤتمر أنابوليس حدثاً تاريخياً، إذا تجاهلنا مؤتمر مدريد المنعقد في عام 1992، وتغاضينا عن أهمية الاتفاقيات الإسرائيلية ـ الفلسطينية الموقعة منذ أوسلو في عام 1993، واتفاقيات السلام العربية ـ الإسرائيلية كاتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل واتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل.
أما بوضعه داخل هذا السياق الأوسع، فأنابوليس يمثل، في أحسن الأحوال، جهداً أميركياً جديداً لإعادة تحريك عملية السلام، التي بدأت تقريباً منذ عقدين بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وإلا، يمكن للمرء أن يجادل بأن أنابوليس كان بمنزلة تذكير بما مضى، وبما كان من الممكن أن يكون.
وبما ضاع، ورجع بالأمور عدة خطوات إلى الوراء، أي إلى ما قبل العملية السياسية في الشرق الأوسط بعدة سنوات. مع ذلك، من الضروري الحفاظ على الأمل وتقديم المساندة لأي جهد يسهم في إنهاء الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، ويوفر السلام والأمن لكل الشعوب في هذه المنطقة المضطربة، ويكفل للفلسطينيين نيل حقوقهم الوطنية التي حُرموا منها زمناً طويلاً. لكن وبالنظر إلى الحقائق على أرض الواقع قبل وبعد أنابوليس، سيكون من الصعب على أي كان أن يشعر بالتفاؤل والأمل.
ومن خلال استجلاء التصريحات المختلفة التي أدلت بها الأطراف المعنية في أنابوليس، ولا سيما التصريحات الإسرائيلية بعد أنابوليس، وبمراقبة الممارسات اليومية للإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل عام وفي مدينة القدس بشكل خاص، نجد أن المؤشرات كلها تصب في اتجاه عدم وجود حركة جدية لتحقيق نتائج إيجابية.
في نهاية المطاف، نجد أن كلاً من الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي يعانيان الضعف على الصعيد السياسي، لكن يظل الإسرائيليون هم الأقدر بمراحل على إملاء الشروط كما يحلو لهم. وفي ظروف كهذه، لكي تتبلور المفاوضات بصورة حقيقية ودائمة، يستلزم الأمر طرفاً ثالثاً، وهو عادة ما تكون الولايات المتحدة، يكون راغباً وقادراً على أداء دور حيادي ونزيه، لمساندة ودعم كل من الإسرائيليين والفلسطينيين، ولحفظ التوازن بينهما، عن طريق حماية حقوق الجانب الأضعف، أي الفلسطينيين.
لكن في ظل رفض الولايات المتحدة الإقدام على القيام بهذا الدور، يكون مصير أي جهد لإحلال السلام والهدوء في المنطقة محل شك وبوضوح أكثر الفشل.
وعودة للتصريح الذي أدلى به الرئيس الأميركي، بدا بوش معتنقاً رؤية المحافظين الجدد التي اصطبغ بها منهجه في الشرق الأوسط منذ عام 2002.
ومن وجهة نظر بوش، فإن على الفلسطينيين أن يركزوا بصورة أقل على تحديد حدودهم، وأن يهتموا أكثر بمواصفات دولتهم، وأن يدرك الفلسطينيون أن ما يواجهونه من تحديات ليس تأمين الحصول على حقوقهم واكتساب السيادة، وإنما القضاء على «الإرهاب»، وإرساء ديمقراطية نشطة وحقيقية، واتباع نظام الشفافية، وتكوين مؤسسات المجتمع الحر.
كل ذلك قبل أن تكون لهم دولة مستقلة لا تعاني من شر الاحتلال وتداعياته السلبية على صناع القرار السياسي في فلسطين وعلى الشعب الفلسطيني. هذا طبعاً بغض النظر عن الموقف الرسمي للإدارة الأميركية الرافض للتجربة الديمقراطية الحقيقة والنزيهة التي عاشها الفلسطينيون قبل حوالي عامين.
وقد أضاف بوش شروطاً ليلتزم بها الإسرائيليون خلال مسار العملية السلمية، إلا أنها كانت محدودة وأقل وطأة ولا تلزم حليفة أميركا الأقوى، إسرائيل . كل ما طلب من الإسرائيليين أن يفعلوه هو إزالة مراكز الاستيطان العشوائية غير المصرح بها، وإنهاء التوسع الاستيطاني، وإيجاد سبل أخرى لكي تمارس السلطة الفلسطينية مسؤولياتها، من دون المساس بأمن إسرائيل.
مهما كان المعنى من وراء ذلك، وباستثناء بعض التصريحات التي أدلى بها رئيس الوزراء الإسرائيلي، ايهود أولمرت، وأوضح فيها مساندته لدولة فلسطينية والتزامه بتحقيق «تسويات مؤلمة» لبلوغ هذا الهدف، فإنه لم يُشر إلاّ إلى القليل مما يلزم حكومته من خطوات تهدد ائتلافه الحكومي الضعيف أصلاً. فعلى سبيل المثال، استبعد قضية اللاجئين برمتها، عارضاً فقط مساعدة اللاجئين الفلسطينيين على العثور على مكان لهم في الدولة الفلسطينية المستقبلية.
وفي فقرة أخرى، يعرف أولمرت ما يعنيه من طلبه بأن تستخدم الاتفاقيات السابقة «كنقطة انطلاق» للمفاوضات في المستقبل. كما أن أولمرت لمح بعد ذلك وها هو يطلب من الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن تؤجل المفاوضات حول مدينة القدس إلى المرحلة الأخيرة من المفاوضات التي لم تبدأ حتى الآن ولا يعرف أحد متى تبدأ وليس هناك من آلية دولية تجبر إسرائيل على بدء مفاوضات جدية وحقيقية مع الفلسطينيين.
من بين الاتفاقيات التي ذكرها، خطاب ضمانات قدمه الرئيس بوش إلى أرييل شارون في عام 2004. بالطبع، لم يكن ذلك اتفاقية على الإطلاق، وإنما هدية أحادية من الرئيس الأميركي إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي. في هذا الخطاب، يتعهد بوش لإسرائيل ب:
- مساندة كل الأعمال التي تُقْدِم عليها إسرائيل للدفاع عن نفسها ضد الإرهاب (بما في ذلك عمليات القتل خارج نطاق المحاكمة وبناء جدار الفصل وإجراءات العقاب الجماعي، إلخ).
- في حالة أي انسحاب إسرائيلي في المستقبل، ستستمر الترتيبات الموجودة والمتعلقة بالمجال الجوي والمياه الإقليمية والمعابر البرية.
- حل قضية اللاجئين عن طريق توطينهم في دولة مستقبلية للفلسطينيين، وليس في إسرائيل.
- في ضوء الحقائق الجديدة على أرض الواقع، ووجود مراكز رئيسية للاستيطان الإسرائيلي، لن يكون واقعياً تصور أن تسفر مفاوضات الوضع النهائي عن تنازل إسرائيل عن مناطق تركز السكان هذه، بما فيها، وبصفة أساسية، المستوطنات المحيطة بالقدس.
إن الشكوك الدبلوماسية المحيطة بمؤتمر أنابوليس تعكس المصاعب الجمة الملازمة لمحاولة التوصل إلى اتفاق بشأن قضايا شائكة متصلة بالوضع النهائي، وتشمل الترتيبات الأمنية والحدود والقدس والمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية ومصير اللاجئين الفلسطينيين والمياه. علاوة على ذلك، فإن حالة الجمود التي تعانيها المفاوضات الثنائية تعكس حقيقة أن الوضع غير مهيأ لحل دبلوماسي وقد لا يكون في الأمد القريب.
في ظل هذه المعطيات جميعاً، يبدو من الصعب تصور حدوث إنجاز، أو الشعور بالتفاؤل. مع ذلك، فإن عملية السلام لم تمت؛ لكن في غياب تغير ملموس في مسلك الولايات المتحدة، فإنها في الرمق الأخير.
والحقيقة المؤلمة التي تواجه الشعب الفلسطيني الآن وفي المستقبل القريب والمتوسط تكمن في استمرار الخلافات السياسية بين القيادات الفلسطينية المختلفة وخاصة بين فتح وحماس وهي خلافات لا تصب إلا في مصلحة إسرائيل وسياساتها العدوانية ضد الحقوق الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني.
كاتب وباحث سياسي