قبل مرور أيام على تصريحات للرئيس الروسي بوتين تشيع مقولة «الحرب الباردة» لمثواها الأخير كانت تصريحات لكبير أساقفة كانتربري البريطانية تفتح دلالاتها الباب لحرب باردة أخرى تحل محل السابقة عليها.
ومفتاح الفهم هو في الإدراك الواعي لحقيقة أن العالم يتغير بقوة، أو بالأحرى تستكمل نضجها تغيرات كبرى أطلقها انهيار الاتحاد السوفييتي - أو رمزيا سقوط حائط برلين - وهي تغيرات طالما تعامل معها الخطاب التحليلي العربي بمنطق القبول والرفض «المعياري».
سواء كانت المعايير أيديولوجية أو دينية أو حتى مشاعر وطنية تبدو كما لو كانت إطارا للتحليل والفهم، وبعض هذه التغيرات كان موضوع إنكار لا موضوع فهم وبالتالي أعاد منتجو الخطاب التحليلي العربي بناء «حائط برلين» معرفي بينهم وبين ما يحدث، ولا يستبعد أن يكون لانهياره أثر لا يقل دراماتيكية عن أثر انهيار حائط برلين.
الفاتيكان و«أوروبا الوثنية»!
البداية هي من تصريحات كبير أساقفة كانتربري روان ويليامز الداعية لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية على مسلمي بريطانيا في الأحوال الشخصية، ورغم أنها علامة تاريخية بكل معنى الكلمة وأن كل مسلم من الطبيعي أن ينظر بتقدير لهذه الشهادة المنصفة فإن هذا ليس الدرس الأهم فيها، ولنترك التصريحات والشجار حولها ونتوقف أمام تفسير لمغزى هذه التصريحات طرحته جريدة «ستاندرد» النمساوية (9 /2 / 2008) وفيه شيء مدهش.
الجريدة النمساوية وضعت تصريحات أسقف كانتربري في سياق ما أسمته «الحملة التي تشنها الكنيسة الكاثوليكية في مواجهة العلمانية الأوروبية»، مشيرة إلى أن يد الفاتيكان وراء الدعوة لتطبيق الشريعة الإسلامية غير خفية. وهي اعتبرت هذه المبادرة تنسجم بشكل منطقي مع الحملة السياسية الاجتماعية التي تشنها الكنيسة الكاثوليكية في عدة بلدان أوروبية وتهدف لإعادة المعايير الدينية لتصبح أساسا لقوانين الدولة، وذلك في خطوة لمواجهة العلمانية الأوروبية.
لكن التعبير الأكثر صراحة لدرجة الصدمة كان قول الصحيفة «يبدو أن البابا بنديكت السادس عشر يراهن على تحالف مقدس في حربه المتزايدة ضد «أوروبا الوثنية»، هذا التحالف لكنيسته الكاثوليكية الذي ينتظر له ألا يقتصر فقط على الكنيسة الأرثوذكسية التي يفضلها البابا على الكنيسة البروتستانتية التي يراها قد «تعلمنت» بل يبدو أنه سيضم أيضا الإسلام «المعتدل». وهناك خطر لأن يتكون تحالف ضد أوروبا الحديثة.
والتصور يبدو لأول وهلة تآمريا وجامحا لكن من يعرف الدور التاريخي الذي لعبه الفاتيكان في الحرب الباردة الأميركية السوفييتية خلال ما يقرب من نصف قرن يعرف أنه كان من أهم المعاول التي ساهمت في هدم «إمبراطورية الشر» الملحدة.
تلاقي الأسقف والمفكر
لكن ما استوقفني في هذا التفسير أنه يؤكد ما سبق أن رصدته في مقال سابق: «المسألة الدينية على أعتاب قرن مضطرب» (البيان 27/ 8/ 2006) من أن العالم يبدو كما لو كان قد عاد إلى ما قبل «صلح وستفاليا»، وما النقاشات الحادة التي رافقت صياغة مسودة الدستور الأوروبي - التي سقطت أمام اختبار صناديق الاستفتاء - إلا فصلا من فصول هذه الحرب الباردة الجديدة، فقد كان الخلاف حول دور الدين في البناء الأوروبي الجديد الموضوع الأكثر إثارة للصخب والجدل.
والجريدة النمساوية تستخدم تعبيرا له خلفيات لا يجوز إغفالها، فالهجوم على أوروبا «العلمانية» بهذا التعبير القاسي سبق إليه المحافظون الجدد في أميركا حيث يستخدم وعاظهم الأكثر شهرة تعبير «أوروبا الكافرة» للإشارة إلى تخلي الأوروبيين المعاصرين عن مسيحيتهم، وبالتالي حاجة هذه القارة - حسب تصورهم - إلى من يعيد تبشيرها بالمسيحية مرة أخرى.
والخيط إذن ممتد بين نقاط على خارطة العالم تبدو متباعدة إلى حد الانفصال لكنها غالبا متصلة وتتجه إلى الاصطفاف في معسكري حرب باردة جديدة لكنها قد تكون هذه المرة بين الإيمان والإلحاد!
وقد سبق إلى هذا الخيال الجامح مفكر أميركي معروف هو جون فول الباحث في «مركز التفاهم المسلم ـ المسيحي في جامعة جورج تاون»، ففي مقال له بعنوان: «الإسلام ونهاية العلمانية» (نشره الموقع الإلكتروني لقناة الجزيرة الفضائية 19/ 7/ 2004) ذهب إلى الرهان على دور رئيس للإسلام في القضاء على العلمانية على غرار الدور الذي قامت به الفاتيكان في هزيمة النازية والشيوعية.
ويرى جون فول أنه «عند الحديث عن العوامل الإثنية والدينية في علم الاجتماع البشري اليوم، فإن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: هل نحن سائرون إلى صراع أم إلى تصالح؟
ورغم أن مفكرين كثيرين يرون أن عنصر الدين يمثل مشكلة في عالم اليوم، فإنني أرى أن الدين يصلح أن يكون سبيلا للتصالح والوفاق».
ويكمل فول: «فعلى مدى ما يقرب من ثلاثة قرون، دأب علماء الاجتماع والمثقفون الغربيون البارزون على تأكيد أفول الدين وساد اعتقاد بأن التحديث هو المحرك الذي سيتسبب بصورة حتمية في إقصاء الدين عن الحياة، ويؤكد فول أنه لا بد من إعلان نهاية إيمان علم الاجتماع بنظرية العلمنة، والإقرار بأنها لم تكن إلا محصلة لأفكار وتوجهات محببة. فبعد نحو ثلاثة قرون من إخفاق نبوءاته، حريٌ بمبدأ العلمنة أن يُلقى في مقبرة النظريات الفاشلة».
ويطرح الأكاديمي المعروف مجموعة من التعميمات التي يؤسس عليها تصوره فيقول: «أظن أننا نشهد عالما يسقط الفكرة القائلة بأن التحديث يؤدي بالضرورة إلى إقصاء الدين. فقد أدبرت تلك الحقبة التي سادت فيها تلك الفكرة. وبالنظر إلى دور الولايات المتحدة في شؤون العالم، جدير بنا أن نتقبل فكرة نهاية العلمنة كأحد أبعاد عملية التحديث، وليس باعتبار ذلك أيديولوجية منافسة أو بديلة».
وساحة الصراع بدأت تتمحور حول رموز بعينها، فعلى الأرجح ليس مصادفة أن تشهد باريس معركة حول الحجاب (2004) وهي المعركة التي كانت فيها مواقف الإدارة الأميركية والفاتيكان والمسلمين متطابقة تقريبا حتى أن الإدارة الأميركية انتقدت الموقف الفرنسي علنا، ثم تتكرر المعركة بالسيناريو نفسه تقريبا في أنقرة (2008)، وليس مصادفة أن تشير استطلاعات رأي إلى تصاعد القبول الاجتماعي والثقافي للمسلمين في أميركا مقابل إحساس متصاعد بالغربة والنبذ والاضطهاد في أوروبا.
بل لا نبالغ إذا قلنا إن الولايات المتحدة قد استوعبت في التجربة الديمقراطية العراقية فصائل من الحركات الإسلامية لا تستطيع مثيلاتها على الحصول على المشروعية في معظم الدول العربية، فهل يتجه العالم إلى حرب باردة جديدة على أساس الموقف الديني لا الأيديولوجي؟ وهل هناك من يلوح للمسلمين ليشتركوا فيها، ربما!
كاتب مصري