في جولته السابقة في إفريقيا اصطحب الرئيس بوش عشرات من كبار رؤساء الشركات ورجال الأعمال الأميركيين مبشراً شعوب وحكام بلدان القارة السمراء بمشاريع استثمارية تنموية «للقضاء على الفقر» كان ذلك في عام 2003، وخلال السنوات الخمس التالية اتضح للأفارقة وللعالم أن جولة الرئيس الأميركي وصحبه من الرأسماليين لم تكن سوى ضرب من فن العلاقات العامة إضافة إلى أنها كانت أيضاً من منظور فريق رجال الأعمال مجرد رحلة سياحية.
الآن يريد الرئيس بوش فيما يبدو أن يضفي على جولته الإفريقية الثانية الحالية شيئاً من الجدية.. فقد اختلف الظرف هذه المرة بدخول قوة عظمى أخرى حلبة التسابق إلى إفريقيا.
السنوات الخمس الأخيرة شهدت انتشار الصين في كافة أنحاء القارة جنوب الصحراء على نحو مبرمج متسارع الإيقاع لا بغرض «محاربة الإرهاب» وإنما بهدف محاربة التخلف الاقتصادي عن طريق برامج وخطط لشراكات تنموية جادة على أساس مبدأ المنفعة المتبادلة، وهكذا تأتي جولة بوش الثانية كتعبير غير مباشر عن انزعاج الولايات المتحدة وهي ترى التوسع الصيني في القارة يتعاظم.
وإذ يبدو أن واشنطن اعتزمت مبدئياً دخول حلبة التنافس الاقتصادي في إفريقيا ضد الصين إلا أن «البشائر» الاقتصادية التي جاء بها الرئيس الأميركي ليست سوى خطوة رمزية تتمثل في تمويل أميركي لمشاريع إمدادات الماء والكهرباء في تنزانيا، ورغم أن بوش كرر وعده السابق بتمويل برنامج لمكافحة وباء الإيدز في القارة إلا أن الوعد بقي خلال الأعوام الخمسة الأخيرة مجرد بند من بنود فن العلاقات العامة والدعاية الزائفة.
نحن إذن أمام نموذجين في حلبة السباق في بلدان القارة الإفريقية: نموذج صيني اقتصادي يتضمن مشروعات عملية على الأرض لإقامة سدود وشبكات ري وإنتاج نفطي وتنقيب عن المعادن بأنواعها وتشييد طرق برية وجسور، ونموذج أميركي أمني لإمداد الأنظمة الحاكمة بمستشارين أمنيين ومعدات تكنولوجيا لتحديث كفاءة أجهزة القمع الأمني بالإضافة إلى إقامة قواعد عسكرية وبحرية وجوية في دولة إفريقية ما لاستخدامها في تنفيذ هجمات على دولة إفريقية أخرى.
باختصار: هما نموذج الحرب على التخلف الاقتصادي مقابل نموذج الحرب الأمنية تحت مسمى «الحرب على الإرهاب» ضد الجماعات السياسية ـ خاصة التنظيمات الإسلامية ـ المناهضة للسياسة الأميركية والنفوذ الإسرائيلي داخل القارة الإفريقية.
وقبل جولة الرئيس بوش وخلالها حرص كبار المسؤولين الأميركيين على تجميل الصورة العامة للجولة. وفي هذا الصدد قال ستيفن هادلي مستشار الأمن القومي إن الجولة «ستؤكد علاقة الشراكة الوثيقة التي تربط الولايات المتحدة مع الأفارقة للتصدي للمرض والفقر».
وقال أيضاً إن الرئيس بوش «يسعى إلى إظهار الولايات المتحدة كشريك لا غنى عنه لإفريقيا في دعم التنمية الاقتصادية».
كلام جميل حقاً. ولكن إذا كان الهدف الأميركي فعلاً هو إنقاذ الشعوب الإفريقية من الفقر والمرض والعمل الجاد من أجل مساعدة هذه الشعوب في النهوض التنموي فلماذا تنزعج واشنطن من التوسع الاقتصادي الصيني التنموي في أنحاء القارة؟ لماذا لا تدخل الولايات المتحدة في شراكة ثنائية مع الصين من أجل وضع وتنفيذ برمجة تنموية مشتركة لصالح إفريقيا؟