الانتخابات النيابية التي شهدتها باكستان، أمس الأول الثلاثاء، تقدّم فرصة لا يجوز تفويتها؛ للخروج بالبلاد من دوامة الأزمة السياسية الطاحنة التي تعيشها منذ سنوات. أكثر من مرة، خلال هذه الفترة، وصلت الصراعات، أو كادت، إلى أوضاع مفتوحة على خطر الانزلاق إلى هاوية الاشتباك الأهلي المدمّر.
ظروف وعوامل، مأزومة ومحتقنة؛ تضافرت وتداخلت لتشكّل وجبة ملائمة لاضطرابات مديدة وعاصفة، تهدد ليس فقط الحياة الديمقراطية الناشئة في هذا البلد؛ بل لحمته الوطنية وسلامته الاجتماعية.
الآن ثمة لحظة جديدة، مختلفة ومرشحة لسحب فتيل التأزم والعبور بالبلد نحو ضفة الاستقرار واستئناف مسيرة البناء والتنمية.
امتحان الانتخابات اجتازته باكستان، إجمالاً، بنجاح. وقعت أعمال عنف أدت، للأسف إلى سقوط قتلى. لكن في ضوء الحالة المعروفة التي كانت قائمة والمخاوف التي كانت سائدة، مرّت العملية بسلام وبأفضل ما يكون. وبهذا المعنى، خرج الجميع رابحاً. الديمقراطية انتصرت. المعارضة انتصرت. وكذلك الحكم والرئيس مشرف. بالحصيلة خرجت باكستان منتصرة.
تجليات ذلك تبدّت في عدّة أمور رئيسية. كانت، أولاً، في التوافق على الاحتكام للانتخابات؛ ثم في المشاركة الشاملة فيها. يفوقها أهمية، أنها حصلت بهدوء مطمئن؛ ولو شابه عنف محدود. الأهم أنها كانت انتخابات نزيهة؛ بشهادة أطرافها، كما بشهادة المراقبين الدوليين الذين تابعوا مجرياتها ميدانياً. وهذا بحدّ ذاته إنجاز كبير ومؤشر إيجابي يدعو إلى التفاؤل.
التوقعات كانت تميل إلى حدوث العكس. وإذا بها تأتي نظيفة؛ وبالتالي مشجعة على المزيد من التفاؤل. ولا يقل أهمية عن ذلك، أن النتائج حظيت بقبول كل الأطراف المعنية. وبالذات من جانب السلطة،التي فاضت التكهنات بأنها قد لا تستسيغ نتائج غير راجحة فيها كفتها. وبذلك تكون قد أوفت بعهدها، لجهة المضي بالانتخابات والقبول بما تفضي إليه. بل إن الرئيس مشرف وعد بالتعاون مع الأكثرية النيابية.
المشهد، حسب ما رست عليه الأمور، يحتوي على مكونات العودة باتجاه الاستقرار. التحدّي، بعد أن نطقت صناديق الاقتراع وقبل الجميع بحكمها، يكمن في الترجمة لهذا الحكم.
وطبعاً لذلك شروطه، التي تقف على رأسها مواصلة الالتزام بالاحتكام إلى أصول اللعبة الديمقراطية البرلمانية ومقتضياتها. ولا يخفى أن الشرط الأول في هذا الخصوص، هو في اجتناب لعبة تصفية الحسابات القديمة. الانطلاقة الجديدة، وفق الخلاصة الانتخابية ومتطلباتها؛ وحدها الضمانة والبوصلة، لطي صفحة ما قبل الانتخابات ومتاعبها، وكل ما انطوت عليه من مخاطر ومجازفات.
التجربة كانت غنية بالدروس، بقدر ما كانت تختزن من ألغام وتوترات؛ جاهزة للاشتعال وما يستتبعه من تداعيات وعواقب سوداء، عرفت العودة إلى الانقلابات العسكرية وتعطيل الدستور ثم تعديله؛ مع ما واكب ذلك من تغييرات في مواقع أساسية، ناهيك عن تنامي حالة العنف الذي كانت ذروته في اغتيال زعيمة حزب الشعب الباكستاني، بنازير بوتو.
تجربة مكلفة، كادت أن تجرّ البلاد إلى مهالك أقسى وأدهى. الآن جاءت الانتخابات لتشكل محطة فاصلة مع تلك التجربة. الكرة في ملعب القيادات الباكستانية لتحويل هذه المحطة إلى بداية مختلفة تكون كفيلة بنقل البلاد إلى شاطئ الأمان، وهي لحظة آن أوانها.
