كان مطلع هذا الشهر موعدا حاسما لمستقبل منظمة حلف شمال الأطلسي حيث عقد وزراء الدفاع للدول أعضاء الحلف مؤتمرهم بمدينة (فيلنوس) عاصمة ليتوانيا يوم 7 فبراير للتداول حول مصير انخراط قوى الحلف في حرب أفغانستان التي تستمر بدون أفق حل أو انسحاب أو نصر أو هزيمة منذ سبتمبر 2001 ومن جهة أخرى حال اختتام المؤتمر ويوم 8 فبراير طار الأمين العام للحلف دي هوب شيفير إلى ميونخ ليحضر مؤتمرا ثانيا حول أمن الدول الأعضاء في الحلف هذه المرة. مع العلم بأن المؤتمرين الاثنين مرتبطان ببعضهما أشد الارتباط.

غريب أمر هذا الحلف الذي تأسس مباشرة بعد انتصار الحلفاء في الحرب الكونية الثانية على قاعدتين : الأولى أيديولوجية تعتمد انتصار الليبرالية الرأسمالية على الاتحاد السوفييتي والثانية عسكرية ترتكز على استعادة مناطق نفوذ الغرب المسيحي على أجزاء من الأرض ضاعت منه بعد انهيار الأمبراطوريات الفرنسية والبريطانية. ولم يخف ميثاق الحلف هاتين الغايتين بل أعلنهما الوزراء المجتمعون لإنشاء هذا الحلف يوم 17 مارس 1948 في عاصمة بلجيكا بروكسل.

ولعلنا رغم الحذر نردد مع كاتب افتتاحية النشرة الأميركية المستقلة ( ستراتيجيك ألرت) التي صدرت هذا الأسبوع حين يقول بأن الحلف مقبل على هزيمة نكراء في أفغانستان ربما تؤدي إلى نهاية الحلف نفسه! وللتذكير نعيد للأذهان كيف أن واشنطن سيدة الحلف هي التي جرت دول الحلف إلى تعويض الولايات المتحدة في مواجهة ما كانت تسميه واشنطن فلول الإرهاب في أفغانستان لانشغال القوات الأميركية بحرب العراق.

ومنذ ست سنوات تستمر حرب أفغانستان وهي ذات أبعاد وأشكال غير مألوفة وغير مسبوقة من الناحية الاستراتيجية والسياسية في تاريخ الحروب في العصر الحديث ! فالجيوش الأطلسية هناك ليس لديها قيادة موحدة لا بسبب تنظيمي بل بسبب استحالة قيام أية قيادة بعملها العسكري من حيث تعدد الجيوش المنخرطة ( بل المورطة) في هذه الحرب وبسبب ضبابية الأهداف العسكرية والغايات السياسية المطلوب من هذه القوات بلوغها وتحقيقها.

وأنا أورد بعض الملاحظات التي وردت في نهاية يناير الماضي ضمن تقرير سري أعده خبراء عسكريون أميركيون وأوروبيون بطلب من الأمين العام للحلف مفادها أن الخطة المعدة عام 2002 للحلف في التدخل العسكري في أفغانستان منيت بالفشل الذريع ويقول هؤلاء الخبراء بأن الأقاليم الحدودية بين أفغانستان وباكستان تحولت الى المعقل الحقيقي والواسع للمقاتلين الأفغان ومناصريهم من وحدات القاعدة وطالبان.

ويخلص التقرير الذي لم ينشر بإذن البنتاجون إلى أن الاثنين وأربعين ألف جندي المنشورين في أفغانستان لا يستطيعون مواجهة حركة وطنية ثورية أقرب إلى حرب العصابات منها إلى الجيش المنظم وتحظى بمساندة خفية شعبية حتى ولو كان المواطنون الأفغان غير متعاطفين مع طالبان لأن تاريخ الحروب منذ الأزل يثبت بأن الجندي المتواجد في وطنه وعلى أرضه لا بد في النهاية أن ينتصر أو على الأقل يمنع انتصار الجيش الدخيل المحتل.

ويشير التقرير إلى أن عصب الحرب الأفغانية من جانب طالبان والقاعدة الذي هو المال متوفر من زراعة المخدرات ويجلب للأفغان مليار دولار سنويا. ( هذا نورده لأنه وارد في التقرير المذكور لكننا نتحفظ على استخدام المخدرات التي هي مرفوضة تماما من طالبان).

وقد كتب وزير الدفاع الأميركي روبيرت جيتس إلى نظرائه أعضاء الحلف طالبا منهم الترفيع في عدد الجيش المحارب بما قدره 10000 جندي إضافي من هنا إلى أبريل القادم تاريخ الانتخابات الأفغانية التي ستزيد من حالة الاحتقان والانفجار.

ويشير التقرير الذي نعرضه إلى أن هيئة الأركان الأميركية أبلغت وزير الدفاع (جيتس) بأنها غير قادرة على ارسال المزيد من الجنود الأميركان إلى ساحة الوغى الأفغانية. ورغم هذا الاحتراز «التقني» قرر الرئيس بوش ارسال 3200 من المارينز إلى جنوب أفغانستان !

ثم ان الدول الديمقراطية التي تشكل الحلف مطالبة بالمثول أمام برلماناتها المنتخبة لأخذ قرار خطير كارسال المزيد من الجنود إلى ساحة حرب عمياء ليس فيها عدو واضح المعالم أو هدف نهائي مطلوب بلوغه وذلك هو حال ألمانيا التي ترأس عمليات الحلف في أفغانستان.

هذا ولم يتردد بعض الساسة الأميركيين والمراقبين المحايدين في التصريح بأن الحلف الذي نشأ في ظروف الحرب الباردة للتصدي للعدو الأكبر أي الاتحاد السوفييتي لم يعد له اليوم أي سبب لمواصلة تجميع القوى الغربية ضد بلدان حددتها واشنطن وحدها كراعية للإرهاب في حين أن موازين الدول الأوروبية الأعضاء المخصصة للدفاع باتت تعاني من خسائر الحرب الأفغانية بشكل متصاعد وتنذر بالخروج من هذه الشراكة اللعينة على قول الصحفية الفرنسية (كريستين بيار) !

* رئيس الأكاديمية الأوروبية للعلاقات الدولية بباريس

alqadidi@hotmail.com