في اجتماعهم الأخير بالقاهرة قبل أسبوع أقر وزراء الإعلام العرب وثيقة مبادئ تنظيم البث والاستقبال الفضائي الإذاعي والتلفزيوني في المنطقة العربية. المبادرة جاءت بعد الكثير من الكلام والانتقادات التي دارت حول ما تقدمه أكثر من 400 فضائية للمشاهد العربي في العالم العربي ومختلف أنحاء العالم.

وإذا كانت القلة القليلة من هذه الفضائيات ملتزمة بالمهنية والحرفية والحرية المسؤولة وأتت بإضافات جديدة خاصة في تقديم الرأي والرأي الآخر وأعطت الفرصة للأطراف المختلفة لإيصال صوتها للآخر.

فإن الغالبية العظمى من الفضائيات العربية خرجت عن الأخلاقيات والمهنية والالتزام بالآداب العامة والنظام العام لتقدم منتجا إعلاميا بعيدا كل البعد عن واقع الشارع العربي واهتماماته وطموحاته وعن عاداته وتقاليده ودينه ومبادئه، فانتشرت قنوات الشعوذة والغزل على الهواء وفضائيات الرسائل القصيرة وكثير من البرامج والمنتجات المعلبة والمقلدة التي لا طعم ولا لون لها ولا فائدة من ورائها.

هذا الوضع جعل الشارع العربي يتساءل عن الهدف من حرية الكلمة والرأي والمغزى من هذا الزخم الإعلامي الفضائي، ما الفائدة من الحرية التي تؤدي إلى الانحلال الخلقي والتي تفرز عبدة الشيطان والتي تشكل خطرا على السلم الاجتماعي والوحدة الوطنية والنظام العام والآداب العامة؟ الأمر أصبح فوضى فضائية بكل ما للكلمة من معنى.

الكلام عن البث الفضائي العربي يثير العديد من الملاحظات والآراء لدى المشاهد العربي، منها الإيجابي ومنها السلبي ومنها ما يعتبر إضافة لسوق الأفكار ولتنوع المنتج الإعلامي واختلافه من حيث الكم ومن حيث الكيف. لكن ما يكاد يتفق عليه الجميع هو وجود مادة إعلامية هابطة قد تخرج عن الإطار الأخلاقي والآداب العامة في المجتمع. كما يرى البعض أن الإفراط في الحرية والجري وراء الكسب السريع بغض النظر عن السبل والطرق والوسائل قد يتنافى مع الحرية المسؤولة والرسالة الاجتماعية الملتزمة.

وثيقة وزراء الإعلام العرب تهدف إلى تنظيم البث وإعادة استقباله في المنطقة العربية وكفالة احترام الحق في التعبير عن الرأي وانتشار الثقافة وتفعيل الحوار من خلال البث الفضائي. كما تؤكد الوثيقة على ضرورة الالتزام باحترام حرية التعبير وعلى أن تمارس هذه الحرية بالوعي والمسؤولية وحماية مصالح الدول العربية واحترام حرية الآخرين وحقوقهم وخصوصيتهم والالتزام بأخلاقيات مهنة الإعلام.

كما تهدف الوثيقة إلى العمل على مراعاة علانية وشفافية المعلومات وحماية حق الجمهور في الحصول على المعلومة الكاملة والصحيحة. الوثيقة تؤكد كذلك الامتناع عن انتهاك خصوصية الأفراد والامتناع عن التحريض على الكراهية والتمييز القائم على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو الدين.

وكذلك الامتناع عن بث كل شكل من أشكال التحريض على العنف والإرهاب. كما ركزت الوثيقة كذلك على ضرورة الامتناع عن بث كل ما يسيء إلى الذات الإلهية والأديان السماوية والرسل والمذاهب والرموز الدينية الخاصة، والامتناع عن بث وبرمجة المواد التي تحتوي على مشاهد أو حوارات إباحية أو جنسية صريحة والامتناع عن بث المواد التي تشجع على السلوكيات السلبية كالعنف والتدخين والمشروبات الكحولية... الخ. باختصار الوثيقة وهي عبارة عن ميثاق شرف تهدف إلى معالجة الفوضى الإعلامية الفضائية التي يعيشها الإعلام العربي وتحاول أن تنظم هذا البث الفضائي الذي أصبح يقلق العام والخاص في العالم العربي والذي أصبح يزداد تدهورا وسوءا يوما بعد يوم.

المتفق عليه هو أن الإعلام الفضائي العربي يعاني من مشاكل عديدة وأن هناك أفرادا يشرفون على هذا الإعلام وهمهم الوحيد هو الربح بغض النظر عن الوسيلة والطريقة للوصول إلى هذا الربح. ومن هؤلاء من لا يعرف شيء عن المسؤولية الاجتماعية وخدمة المصلحة العامة والمشاهد وخدمة الحقيقة، انتقادات لاذعة توجه لما تبثه هذه الفضائيات التي تكاثرت كالفطر، لكن أين هو الحل؟

وهل وثيقة تنظيم البث الفضائي ستقضي على قنوات الشعوذة ورسائل الأس. أم. أس. وغيرها من محطات الرقص واللهو والغناء؟ قبل هذه الوثيقة أصدرت اللجنة الإعلامية في جامعة الدول العربية ميثاق شرف للعمل الإعلامي العربي، لكن بدون جدوى حيث إن مثل هذه المواثيق ومثل هذه الوثائق تبقى في غالب الأحيان حبرا على ورق وبدون آليات لتطبيقها ومعاقبة من يخالفها.

ردود الفعل على وثيقة تنظيم البث الفضائي جاءت متباينة فمنهم من رأى أنها مجرد مبررات فارغة لتقييد حرية تداول المعلومات. ويرى هؤلاء أن الوثيقة تهدف إلى حصار وتقييد حق المواطن العربي في المعرفة القائمة على تنوع المصدر وتنوع الآراء والرؤى والتحليلات.

فكلمات «الوحدة الوطنية» و«السيادة الوطنية» و«السلم الاجتماعي» و«النظام العام» كلمات مطاطية يمكن تأويلها بطرق مختلفة وممكن مصادرة ومراقبة الرأي باستعمالها، كما يرى بعض النقاد عودة الرقيب العربي المتمثل في الحكومات العربية وعلى رأسها وزراء الإعلام للتدخل لمصادرة حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير باسم عبارات وبنود فارغة المعنى كحق المواطن في الحصول على المعلومة والتأكيد على حرية التعبير.

هذه اللغة وهذه العبارات والنصوص تعوّد عليها المواطن العربي وخصوصا الصحافيين العرب لأنها متداولة وموجودة ومستعملة في معظم قوانين النشر والمطبوعات والإعلام في العالم العربي، كما يرى نقاد الوثيقة خطورة فرض عقوبات صارمة على مخالفي هذه النصوص الفضفاضة والتي تصل إلى حد سحب ترخيص القناة الفضائية أو وقفها نهائيا أو لمدد محددة، وكذلك مصادرة الأجهزة والمعدات، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو أين القضاء وأين العدالة للبث في مثل هذه المخالفات؟ فإغلاق قنوات فضائية دون الرجوع إلى القانون يعني اختراقا للقانون واختراقا للنظام العام واختراقا لحق الفرد في المجتمع للحصول على محاكمة عادلة.

هل اتفق العرب على أن يكون إعلامهم هابطا متبرجا منحلا أو أن يكون إعلاما تحت رحمة الحكومات يهلل ويسبح ويصفق لإنجازات السلطة وعظمة الحكام؟ ألا يستطيع هذا الإعلام أن يكون حرا نزيها مستقلا له رسالة شريفة ونبيلة وهي خدمة الكلمة الصادقة وخدمة المصلحة العامة بدون تهريج ولا تشويش ولا تجريح ولا تشهير.

ألا يستطيع هذا الإعلام أن يكون حرا ومستقلا من جشع المال من جهة ومن سطو الحكومات من جهة أخرى. وثيقة تنظيم البث الفضائي تشير إلى حنين وزراء الإعلام العرب إلى العودة إلى الماضي، العودة إلى أبواق النفاق وأبواق نشرات الأخبار التي تدوم أكثر من ساعة من أجل الإشادة بإنجازات السلطة وعبقريتها وعظمتها. مشكلة الفضاء الإعلامي العربي أكثر من مشكلة تنظيم ومشكلة قوانين ومواثيق شرف بقدر ما تتمثل في ضمير الإنسان العربي سواء كان حاكما أو محكوما.

فالحاكم يجب أن يقتنع أن حرية الرأي والفكر والتعبير هي مفتاح الإبداع والنجاح والتفوق، وأن الصراحة والشفافية والنقد والنقد الذاتي هي خصال الشجعان والأبطال. أما المحكوم أو الفرد في المجتمع وقد يكون صاحب المحطة الفضائية فيجب أن يعي أن محطته هي مؤسسة اجتماعية تصنع الفكر والذاكرة الجماعية للأمة وتشكل الرأي العام وهي ليست فضاءً للإعلانات فقط وللمنتجات المعلبة الهابطة وآلة تبيض ذهبا. أين هو المجتمع المدني بمكوناته المختلفة لمراقبة الفضائيات الهابطة.

أين هي النقابات والاتحادات والجمعيات التي من شأنها أن تحمي المجتمع من التلوث الثقافي وانهيار القيم والأخلاق وبث السموم المتواصل من فضائيات تدعي أنها مؤسسات إعلامية وهي بعيدة كل البعد عن شيء اسمه الإعلام. فوضى الإعلام الفضائي العربي مسؤولية الجميع ومسؤولية المجتمع بكامله ومن واجب الجميع وكل حسب إمكانياته وطاقاته وموقعه التصدي ومواجهة هذا الانفلات الأخلاقي والثقافي والقيمي الذي يهدد النسيج الاجتماعي والثقافي والأخلاقي برمته.

كلية الاتصال جامعة الشارقة