نحتفل غداً الحادي والعشرون من فبراير باليوم العالمي للغة العربية، فكثير من المدارس في الدولة- وقد يكون في دول عربية أخرى- تنظم محاضرات عامّة أو ندوات أو بعض الأنشطة المناسبة لطلبة المدارس احتفالا بهذا اليوم، وتعبيرا عن تقدير اللغة العربية والاعتزاز بها، وكذلك قد تفعل بعض المؤسسات والجهات المعنية بالثقافة والأنشطة ذات العلاقة.
وإنّه لشيء جميل حقا أن يأتي علينا يوم في كل سنة نخصصه للغتنا القومية، فنحتفل بها ونحتفي، وإنه لشيء جميل أيضا أن تتاح الفرصة لأطفالنا الصغار أن ينخرطوا في أنشطة بسيطة ممتعة يعبرون بها عن حبّهم للغتهم وارتباطهم بها، وأن يجتمع الشباب منهم أو الشابات في لقاء يتحدث فيه إليهم بعض المختصين أو المثقفين عن لغتهم، وعلاقتها الجوهرية بهويتهم وكيانهم وتاريخهم وتراثهم ومستقبلهم. فهذا كله مما يجدد الإحساس بالرابط المتين بين المرء ولغته،.
ومما يربي الأجيال على الوعي بأهمية اللغة في حياتهم، ودورها الفاعل في تعزيز انتمائهم إلى أمتهم ودينهم، وأثرها العميق في إغناء فكرهم وتوسيع معارفهم.
على أنّ الاحتفال بيوم اللغة العربية يجب أن يتجاوز مثل هذه الأنشطة التي لا تعدو أن تكون شكلية في الغالب، فهي في أحسن أحوالها لا تتجاوز ساعة من نهار تقضى في الكلمات الاحتفالية المشحونة بالانفعالات والبكاء على الماضي، ثم يعود الحال على ما كان عليه، ولا نحتاج هنا أن نذكر بهذا الحال وتجلياته في واقعنا اليومي، فهو مما لا يجهله أحد، ولا ينكره أي واع حصيف. فهل نعفي أنفسنا من تحمّل مسؤولية لغتنا حين ننظم لها احتفالا في يوم من أيام السنة؟
وهل نكون بذلك قد أدينا ما علينا تجاهها وتجاه الأجيال القادمة من أبنائها؟ أم أننا في هذا اليوم نكتشف عظم تقصيرنا في حقها، وتواضع جهودنا المبذولة في خدمتها وفي تسخير الطاقات والعلوم لتيسير تعلمها وتوظيفها التوظيف الفاعل في حياتنا مقارنة بجهود الأمم الأخرى وما تبذله من غال ورخيص في سبيل تمكين لغتها وتحقيق السيادة لها بين أبنائها وحول العالم كله؟
يحق لنا ونحن نحتفل باللغة العربية أن نسأل سؤال الحريص المحب: ماذا فعلنا لها لنحتفل بها؟ وما الإنجازات المادية الملموسة التي أنجزناها في خدمتها؟
وما المشاريع العلمية الكبيرة (أو الصغيرة) التي قطعنا فيها أشواطا، وحققنا فيها نتائج حقيقية تضع العربية بين يدي المتعلمين والباحثين صغارا وكبارا في هيئة تخرجها عن النمطية والجمود والتقليد؟ وكم عدد البحوث العلمية الجادة التي أنجزت في حقل العلوم اللغوية لخدمة العربية والانتقال بها إلى مصافّ اللغات العالمية في مجال الحوسبة ودمج التقنية الحديثة في تهيئة العربية للدارسين والمتخصصين؟
وكم عدد المشكلات أو الصعوبات التي استطعنا أن نحلها ونتجاوزها في مجال تعليم اللغة العربية لأبنائها أو للناطقين بغيرها؟ وهل حال العربية اليوم في مجال التعليم أو الإعلام أو غيرهما من المجالات أفضل من حالها بالأمس؟ الأسئلة كثيرة لا عدّ لها ولا حصر، ويكاد الجواب يكون واحدا؛ فاللغة العربية وعلى الرغم من ذلك فإنّ العربية لم تعدم من يحمل همّها، ومن يعمل بصدق وإخلاص لخدمتها وتعزيز مكانتها وتسخير العلوم الحديثة من أجل تقديمها لطالبيها والباحثين بها تقديما يليق بمكانتها ويستجيب لمتطلبات العصر في أيامنا هذه.
ولا أقصد هنا أولئك المدّعين الذين احترفوا الكلام، واتخذوا من اللغة العربية وسيلة للمجاملات، ومطية لتحقيق مآربهم الشخصية ومصالحهم الضيقة، فهؤلاء غثاء كغثاء السيل، تنوء العربية بهم، ولا تحظى منهم بشيء. ولكني أقصد أولئك العلماء الذين يعملون بجد وإخلاص متسلحين بعلمهم الغزير وانفتاحهم على معطيات العصر، وحبهم الكبير للغتهم، وإحساسهم بالمسؤولية تجاهها، متحلين بالصبر والمثابرة والإصرار، رغم ضآلة الموارد وقلة الدعم المادي والمعنوي من الجهات الرسمية وغير الرسمية، الذي يشير إشارة صريحة إلى تناقض المواقف، وتباعد الفعل عن القول، فما أسهل الكلام علينا نحن العرب! وما أصعب الأفعال والإنجاز!
فالمشاريع العلمية التي تؤسس لخدمة اللغة العربية تعاني الكثير من التجاهل وعدم الاهتمام، فتسير سيرا متعثرا، وقد تعطّل تماما، وقد يتوقف العمل بها لسنوات، ثم يستأنف وقد جدّ جديد، واستحدثت أمور، فيصير لزاما على القائمين عليها أن يعيدوا النظر في مسائل كثيرة، من أجل تعديلها وتحسينها لتتماشى مع ما جدّ، وتستجيب لما استحدث، وهكذا تهدر سنوات وجهود، ونظل نراوح مكاننا، ثم نلقي باللائمة على لغتنا، ونكثر من القول فيها، وهي لا تعدو أن تكون لغة كغيرها من اللغات، فالعلة ليست فيها، بل في أهلها ومن يُسمّون باسمها.
وأذكر هنا مشروع المعجم التاريخي للغة العربية، وهو مشروع لغوي حضاري أساسي مهم، ومع ذلك فإنّ السنوات الطوال تمرّ السنة تلو الأخرى، وهذا المشروع لم ير النور حتى يومنا هذا، ولا أكون مبالغة إذا قلت إنّ أهم سبب وراء تعثره هو غياب الدعم المادي المستمر، وغياب التنسيق الحقيقي الذي يضع المصلحة العامة فوق كل المصالح.
ويأتي مشروع «الذخيرة العربية» الذي يرأسه الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح من الجزائر في مقدمة المشاريع العلمية الواعدة، وهو مشروع يؤسس لبنك معلومات آلي يضم إنتاج الفكر العربي القديم والحديث، ويواكب الإنتاج العلمي العالمي، ولا يهمل، بالإضافة إلى ذلك، المعلومات التي يحتاجها طلبة المدارس والجامعات على اختلاف مادة بحثهم وتفاوت مستواها.
ولعل مشروع الذخيرة اللغوية يعد حجر الأساس في إنجاز المعجم التاريخي، إلى جانب دوره في نشر العلوم باللغة العربية، وتسهيل البحث بها، واختصار الوقت والجهد للحصول على المعلومات. فهل سنحتفل السنة القادمة باللغة العربية وقد بدأت تباشير هذا المشروع تطل علينا فيكون احتفاؤنا بها حقيقيا ملموسا لا خطبا فارغة لا تغني ولا تسمن من جوع؟
جامعة الإمارات
